يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها احتمالات التصعيد العسكري مع تعثّر المسارات السياسية والتفاوضية، وسط ترقّب لما قد تحمله مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية من تحولات في المشهد الإقليمي. وبين سيناريو الحرب الواسعة واستمرار حالة اللا حرب واللا سلم، تبرز مخاوف من انعكاسات أي مواجهة جديدة على لبنان، سواء عبر الجبهة العسكرية أو من خلال تصعيد الضغوط الداخلية. وفي هذا السياق، كشفت مصادر سياسية لـ”سفير الشمال” أن المشهد اللبناني يزداد تعقيداً بفعل مجموعة من العوامل المتداخلة، معتبرة أن الأخطر لا يقتصر على التهديدات الخارجية، بل يمتد إلى محاولات إثارة التوترات الداخلية بالتزامن مع تصاعد الخطاب الأميركي–الإسرائيلي. تضع المصادر السياسية ما بات يُعرف بـ”إعلام الأنفاق” في صلب المخاوف الداخلية، مشيرة إلى أن تداول أخبار عن اكتشاف أنفاق، قبل التثبت من صحتها، يطرح تساؤلات حول خلفيات هذه الحملات وأهدافها. وتتساءل المصادر: “ما معنى انتقال فرق التصوير والجهود الإعلامية لتغطية أخبار عن أنفاق، ثم يتبين لاحقاً أن ما بُثّ وقيل لا أساس له؟ أليس من شأن ذلك إثارة البلبلة والتحريض وإبقاء الناس في حالة طوارئ نفسية؟”. وترى المصادر أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في احتمال توظيف الأخبار غير المثبتة لإحداث اضطراب سياسي وإعلامي، وتأجيج الانقسامات بين المكونات اللبنانية، محذّرة من أن تحويل الادعاءات إلى مادة للتعبئة والتحريض قد يفاقم التوتر الداخلي في مرحلة لا تحتمل مزيداً من الانقسام. أما العامل الثاني، فتربطه المصادر السياسية بتمسّك بعض الأطراف اللبنانية بمسار التفاوض المباشر، رغم ما تصفه بتراجع فرص تحقيق نتائج ملموسة منه، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية. وبحسب المصادر، تسعى إسرائيل إلى توظيف المسار التفاوضي لفرض شروط تتجاوز الترتيبات السياسية، وفي مقدّمها إقامة أشكال من التنسيق العسكري والأمني مع لبنان، إلى جانب الإبقاء على مواقع محتلة واستمرار الاعتداءات، وهي شروط تشير المصادر إلى أن قيادة الجيش اللبناني ترفضها. وتعتبر المصادر أن هذا الواقع يثير مخاوف من أن يتحول التفاوض إلى مسار مفتوح من دون ضمانات واضحة أو نتائج عملية، بما يترك لبنان أمام خيارات صعبة، في وقت يحتاج فيه إلى تثبيت الاستقرار وحماية سيادته ومنع اتساع المواجهة. من إيران إلى لبنان.. هل تتعدد جبهات الحرب؟ وفي موازاة المشهد الداخلي، تحذّر المصادر السياسية من خطورة الخطاب الأميركي–الإسرائيلي المتصاعد بشأن احتمال شنّ حرب جديدة على إيران، مشيرة إلى أن ما يجري تداوله في وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية يتضمن سيناريوهات لا تحصر المواجهة المحتملة بالأراضي الإيرانية وحدها، بل تطرح احتمال امتدادها إلى لبنان وربما العراق. وتلفت المصادر إلى أن أي تصعيد من هذا النوع قد يفتح الباب أمام مواجهة متعددة الجبهات، تكون لها تداعيات واسعة على المنطقة، ولا سيما لبنان الذي لا يزال يواجه تداعيات الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. وترى المصادر أن ربط هذه الاحتمالات بالاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة يفرض مراقبة دقيقة للمرحلة المقبلة، من دون التعامل مع سيناريوهات التصعيد المتداولة باعتبارها قرارات محسومة، خصوصاً أن مسار الأحداث سيبقى مرتبطاً بحسابات سياسية وعسكرية متشابكة. لبنان أمام اختبار المرحلة المقبلة وتخلص المصادر السياسية لـ”سفير الشمال” إلى أن لبنان يقف أمام ثلاثة تحديات متزامنة: منع توظيف الأخبار غير المثبتة والتحريض السياسي في تأجيج الانقسام الداخلي، وتقييم جدوى المسار التفاوضي في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات، والاستعداد لاحتمالات التصعيد الإقليمي. وبين الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية والتهديدات المتبادلة، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، من استمرار المراوحة إلى انفجار مواجهة أوسع. لكن التحدي الأبرز أمام لبنان يبقى في تحصين ساحته الداخلية، وعدم السماح بتحويل المخاوف من الحرب إلى أداة إضافية لزعزعة الاستقرار، فيما تترقب المنطقة ما إذا كانت مرحلة ما بعد الانتخابات ستفتح الباب أمام تسويات جديدة أم ستدفع نحو تصعيد تتجاوز تداعياته حدود جبهة واحدة.