مع تفاقم أزمة المازوت على وقع الحرب على إيران وإقفال مضيق هرمز، وارتفاع تسعيرات أصحاب المولدات، قرر اتحاد بلديات الضاحية، بالتنسيق مع البلديات والجهات الأمنية، ولا سيما أمن الدولة، والأحزاب النافذة، فتح المواجهة مع ما وصفه بـ«مافيات المولدات»، في خطوة تهدف إلى كبح المخالفات ووضع حدّ لاستغلال المشتركين.وتكتسب الخطوة أهميتها من كونها خياراً لم تلجأ إليه بلديات أخرى. ففي الحدث، رفض رئيس البلدية الدخول في هذا الملف، فيما تبدو الأزمة أكثر تفاقماً في بيروت، حيث يرفض أصحاب مولدات تركيب العدادات، ويشكو السكان من فواتير مرتفعة، حتى في ظل التقنين القسري الذي يفرضونه. لكن قرار المواجهة يفتح الباب أمام أسئلة حول حدود الصلاحيات القانونية للبلديات؟ وكيف سيردّ أصحاب المولدات على المساس بنفوذهم؟ وهل تملك البلديات الإمكانات المالية واللوجستية والبشرية اللازمة لإدارة هذا القطاع، إذا انتقلت من فرض الرقابة إلى تولّي التشغيل؟ والأهم، ما مصير هذه التجربة إذا طال أمد الأزمة؟ الحارة: مولد بوجه آخرخلافاً لما أُشيع عن دخول بلدية حارة حريك قطاع المولدات لكسر احتكار أصحابها، يوضح نائب رئيس البلدية صادق سليم أن «البلدية لا تملك مولداً خاصاً لتوزيع الكهرباء على المشتركين، لكنها تؤمّن بديلاً لمن يتعرضون لابتزاز أصحاب المولدات المخالفين للتسعيرة الرسمية».عملياً، وضعت البلدية مولداً في مواجهة آخر، متعهّدةً بمدّ الكابلات إلى المشتركين الراغبين في تغيير المزوّد. وبهذه الآلية، اختارت الضغط على المخالفين بدلاً من مواجهتهم مباشرة، إذ بات صاحب المولد مهدداً بخسارة مشتركين، وبالتالي جزء من إيراداته، بدلاً من الاكتفاء بتلقي الإنذارات. لكن تدخّل البلدية يبقى مشروطاً بتلقي الشكاوى والتحقق من المخالفات، فلا تلاحق كل حال تلقائياً. لذلك، قد يلتزم صاحب مولد بالتسعيرة مع أحد المشتركين، فيما يخالفها مع آخرين لم يتقدموا بشكاوى. وقد يلتزم بالتسعيرة في حارة حريك، لكنه يخالفها في الحدث، حيث لا يخضع للرقابة نفسها. ويقول سليم: «لا يمكننا متابعة كل مشترك وملاحقة كل حال، لا سيما أن أصحاب المولدات يلجأون إلى المراوغة، فيعلنون تسعيرة ويجبون مبالغ أعلى». وفيما تبقى المشكلة في أن الغالبية الساحقة تخشى الدخول في مواجهة تراها خاسرة مع أصحاب المولدات، يطمئن سليم المشتركين إلى أن «هؤلاء، مهما بلغت درجة نفوذهم، لا يجرؤون على الانتقام عندما تكون الدولة حازمة. وكل ما يمكن أن يفعله صاحب المولد هو قطع الشريط، ونحن سنؤمّن البديل».عموماً، نجحت تجربة بلدية حارة حريك في ضبط شريحة مهمة من أصحاب المولدات، إذ «التزم 57% منهم بالتسعيرة الرسمية. وحتى لدى المخالفين، لم تعد الفروقات عن التسعيرة الرسمية كبيرة، كما لم تعد المخالفات تُمارَس علناً». ويضرب سليم مثالاً بأحد أكبر أصحاب المولدات في الحارة الذي كان يلتزم بالتسعيرة الرسمية، لكنه يطلب مبلغاً إضافياً تحت عنوان «مساعدة»، يبرره بفارق سعر المازوت في السوق السوداء. وكانت هذه الزيادة تبلغ نحو 20 دولاراً عن كل مشترك، ما مجموعه 240 ألف دولار عن 12 ألف مشترك. وبعد تدخل البلدية، اضطر إلى إلغاء بند «المساعدة».ويردّ سليم نجاح التجربة إلى عوامل عدة، أبرزها «غطاء الجهات الحزبية النافذة في المنطقة، من حزب الله وحركة أمل، وعدم توفير الحماية لأي صاحب اشتراك مخالف، بل على العكس، فهم يشدّون على أيدينا». ويضيف إلى ذلك اعتماد وزارة الطاقة تسعيرات مقبولة لأصحاب المولدات، ووجود أصحاب مولدات ملتزمين في المنطقة، ما أتاح توفير بدائل للمشتركين. كما يرى أن أصحاب المولدات في حارة حريك، عموماً، لا ينتمون إلى «المافيات» الموجودة في مناطق أخرى. الغبيري: مستعدون لمصادرة 10 مولداتلم تتوافر في الغبيري العوامل نفسها التي ساعدت على نجاح تجربة حارة حريك، ولا سيما إمكان وضع مولد في مواجهة آخر، في ظل غياب مولدات قريبة ملتزمة بالتسعيرة الرسمية يمكن الاستعانة بها لتوفير بديل للمشتركين، بحسب رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا. ويؤكد الخنسا أن «البلدية لا يمكنها تحمّل مسؤولية إدارة القطاع وشراء مولدات بشكل دائم، لأنها تغطي مساحة واسعة ولا تملك الإمكانات اللازمة». لكنه يبدي استعداده لتولي إدارة المولدات مؤقتاً في إطار ما يُعرف بـ«الحراسة القضائية»، موضحاً أنه أبلغ المعنيين استعداده لتشغيل عشرة مولدات، لا لتشغيل مولد واحد فحسب، في حال ثبوت المخالفات. ويضيف: «كما نؤمّن كميات كبيرة من المازوت للمؤسسات، يمكننا تأمينها لتشغيل المنطقة». الحراسة القضائيةفي المريجة- الليلكي- تحويطة الغديرأدت إلى ردع جميع أصحاب المولدات وإلزامهم بالتسعيرة الرسمية لكن إذا كانت البلدية مستعدة لتشغيل المولدات في إطار الحراسة القضائية، قادرة على مصادرة المولدات وتشغيلها، فلماذا لم تُفعّل الحراسة القضائية فيها حتى الآن؟