مع توالي المحطات السياسية والأمنية، وزيادة التباين بين بعبدا ومعراب، وظهور تباينات في مقاربة الكتائب والتيار الوطني الحر لخيارات العهد، تبرز ملامح منافسة سياسية تتجاوز الخلاف على القرارات الحكومية إلى النفوذ والتمثيل داخل الساحة المسيحية، بشكل لم تعد فيه العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون والقوى السياسية المسيحية محكومة فقط بالتفاهم أو الاختلاف حول الملفات الوطنية الكبرى. وتزداد أهمية هذه المنافسة في ظل تجمّع سياسي قيد التشكّل مؤيّد للرئيس، أو ما يُحكى عن طموحه الشخصي لإنشاء كيان سياسي، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي يريد عون إقامتها مع الأحزاب، وحدود الدور السياسي الذي يمكن أن يؤدّيه من موقعه الدستوري. فالرئيس الذي يُفترض أن يكون مرجعية جامعة وحكماً بين القوى المتنافسة، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة حول كيفية محافظته على استقلالية قراره في مواجهة الضغوط الحزبية، من دون أن يتحوّل هو نفسه إلى طرف إضافي في المنافسة على النفوذ. وقدّمت أزمة شاحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر أحدث مثال على طبيعة المنافسة السياسية التي تخوضها الرئاسة، كما كشفت عن تمايز بين القوى المسيحية في أساليب الضغط على الرئاسة. ففي حين اختار حزب «القوات» الاعتراض العلني والانسحاب من الجلسة، فضّل حزب الكتائب المحافظة على قنوات التواصل مع بعبدا من دون التخلي عن موقفه القضائي.لا تنحصر التباينات في ملف المتفجّرات. فمسألة حصرية السلاح بيد الدولة تشكّل أحد أبرز ميادين التنافس السياسي بين عون والقوى المسيحية، وخصوصاً «القوات اللبنانية». يتفق الطرفان، في المواقف المُعلنة، على ضرورة استعادة الدولة قرار الحرب والسلم وإنهاء وجود السلاح خارج مؤسساتها الشرعية. غير أن الاختلاف يظهر في تحديد وتيرة التنفيذ والوسائل الواجب اعتمادها، ومدى ارتباط الخطوات الداخلية بالانسحاب الإسرائيلي والضمانات الأمنية. فالرئيس يتمسك بخطة الجيش وتقديراته الأمنية، ويؤكد ضرورة تجنّب الصدام الداخلي، فيما يطالب جعجع بإجراءات أسرع وأكثر حزماً، وينتقد ما يعتبره تباطؤاً في تنفيذ القرارات المتعلقة بحصرية السلاح. وقد برز هذا التباين بوضوح في تصريحات لجعجع أشار فيها إلى اختلافه السياسي مع مقاربة قائد الجيش رودولف هيكل.وتضع هذه المواقف الرئاسة أمام اختبار حساس. فعون، الآتي من قيادة الجيش، يربط جزءاً أساسياً من صدقية عهده بقدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ مهماتها من دون الانجرار إلى مواجهة داخلية. وفي المقابل، يسعى حزب «القوات» إلى إبقاء ملف السلاح في صدارة المحاسبة السياسية للحكومة والعهد. العلاقة بين رئيس الجمهورية والأحزاب المسيحية مُرشّحة لمزيد من الاختبارات ولا يتعلق الأمر هنا بخلاف تقني حول خطة أمنية فحسب، بل بمنافسة على تحديد مضمون «المشروع السيادي» الذي يتبناه الطرفان، ومن يملك حق تقدير ما إذا كانت الدولة تتقدّم بالسرعة المطلوبة نحو استعادة سلطتها، ومن يحدد متى يصبح التدرّج ضرورة أمنية، ومتى يتحوّل إلى تساهل سياسي. وعليه، فإن انتقال هذا النقاش إلى منافسة على الجمهور المسيحي قد يجعل الرئاسة في موقع الدفاع الدائم عن خيارات الجيش والحكومة، بدلاً من ممارسة دورها في جمع القوى السياسية حول استراتيجية وطنية قابلة للتنفيذ. تتكرر الإشكالية نفسها في ملف التفاوض مع العدو. لا يعارض جعجع تمسك عون بمبدأ التفاوض المباشر، لكنّ التباين يظهر في ترتيب الأولويات، ولا سيما العلاقة بين تفكيك البنية العسكرية لحزب الله والتوصل إلى ترتيبات أمنية تضمن الانسحاب الإسرائيلي. ويكتسب هذا الاختلاف أهمية إضافية في ضوء النقاش حول الانتقال إلى مستويات أكثر مباشرة من التفاوض، والضمانات التي يحتاج إليها لبنان قبل الموافقة على ترتيبات أمنية جديدة. فالرئيس معنيّ بإدارة عملية تفاوضية تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والدبلوماسية والداخلية، بينما تستطيع القوى الحزبية تأييد خيارات أكثر تشدّداً أو الاعتراض على أي تسوية لا تلبّي شروطها. وفي حال تحوّلت هذه المواقف إلى منافسة على من يمثّل «القرار السيادي» بصورة أفضل، فإن موقع الرئاسة يصبح أكثر تعقيداً، إذ قد يُطلب من عون إثبات أنه لا يقلّ حزماً عن القيادات المسيحية، في وقت يُفترض أن تمنحه وظيفته الدستورية القدرة على اعتماد الخيارات التي يراها أكثر مُلاءمة للمصلحة الوطنية، ولو خالفت حسابات الأحزاب. لا يمكن فصل هذه التباينات عن تطور العلاقة السياسية بين عون والقوى التي ساهمت في تأييد وصوله إلى الرئاسة. فحزب «القوات»، الذي دعم انتخابه، لم يتردّد لاحقاً في توجيه انتقادات علنية إلى أداء السلطة، ولا سيما في ما يتعلق بتنفيذ القرارات المتعلقة بحزب الله وبسط سلطة الدولة. وقد انتقل جعجع، في أكثر من مناسبة، من انتقاد إجراءات محدّدة إلى مُساءلة العهد والحكومة عن مدى تحقيق الوعود المرتبطة بق