من يملك القرار النهائي بدخول حزب الله في حرب جديدة إذا اندلعت مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران؟ وهل يستطيع لبنان الركون إلى التطمينات السياسية التي تتحدث عن عدم فتح الجبهة، فيما تتواصل الاستعدادات العسكرية والتمويل الإيراني وإعادة بناء القدرات القتالية؟ سؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعدما كشفت تقارير صحافية متتالية عن مشهد يحمل رسالتين متباينتين: الأولى سياسية تتحدث عن توجه لدى حزب الله لعدم التدخل إسناداً لإيران، والثانية عسكرية تشير إلى استعدادات جدية تحسباً لمواجهة جديدة. فقد نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" معلومات تفيد بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري تلقى تطمينات بشأن عدم انخراط الحزب في أي حرب جديدة دعماً لطهران. كما تحدثت عن رسائل إيرانية تؤكد أن طهران لا تطلب من حزب الله التدخل، وأنها قادرة على إدارة المواجهة بقدراتها الخاصة. لكن هذه التطمينات لم تتحول إلى إعلان رسمي واضح من قيادة الحزب، ولم تترافق مع تعهد علني ملزم بعدم فتح الجبهة اللبنانية تحت أي ظرف. في المقابل، جاء تقرير وكالة "رويترز"، الذي أعدته الصحافيتان ليلى بسام ومايا الجبيلي، ليكشف وجهاً مختلفاً للمشهد، مستنداً إلى مصادر أمنية لبنانية وأخرى قريبة من الحزب تحدثت عن تحضيرات عسكرية استمرت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وعن عشرات ملايين الدولارات قدمتها إيران للمساعدة في إعادة بناء القدرات القتالية. وبحسب التقرير، تركزت هذه الجهود على تأمين المتفجرات وتصنيع المسيّرات وإعادة تأهيل البنية العسكرية التي تضررت في المواجهات السابقة، ولا سيما منظومة القيادة والسيطرة. والأكثر حساسية أن "رويترز" ربطت هذه الاستعدادات بشحنة متفجرات ضهر البيدر، ناقلة عن مسؤول في الحزب ومصدر أمني لبناني أن الشحنة كانت مخصصة للمسيّرات المفخخة، ما يمنح القضية التي أثارت سجالاً سياسياً وقضائياً داخلياً بعداً يتجاوز حدودها الأمنية المباشرة. هنا تبرز المفارقة الأساسية: لماذا يستمر التحضير العسكري إذا كان القرار السياسي يقضي بعدم المشاركة في الحرب؟ قد يكون الجواب أن الحزب يعيد بناء قدراته بهدف الردع أو الاستعداد لمواجهة إسرائيلية محتملة، وليس بالضرورة للمبادرة إلى فتح جبهة جديدة. لكن هذا التفسير لا يحسم المسألة، لأن امتلاك الجهوزية العسكرية شيء، وتحديد الظروف التي تستدعي استخدامها شيء آخر. وما يزيد الغموض أن مواقف من داخل الحزب لم تقفل باب التدخل بصورة نهائية. فقد نقلت وسائل إعلام عن مصادر محسوبة عليه أن القرار مرتبط بالتطورات الميدانية، فيما ورد في موقف آخر أن الحزب لم يقدم ضمانات مسبقة بعدم المشاركة. وهذه النقطة تعيد إلى الأذهان تجربة المواجهة السابقة، حين سبقت دخول الحزب الحرب تطمينات سياسية تحدثت عن عدم التدخل، قبل أن تتغير الحسابات مع تطور العمليات العسكرية. لكن المسألة اليوم تتجاوز السؤال عما إذا كان الحزب يريد الحرب أو لا يريدها. فالسؤال الأهم يتعلق بالجهة التي تمتلك صلاحية اتخاذ القرار النهائي، ومدى استقلالية الحسابات اللبنانية عن المصالح الاستراتيجية الإيرانية إذا اتسعت المواجهة الإقليمية. فهل يشكل عدم طلب طهران التدخل ضمانة كافية لتحييد لبنان؟ وماذا يحدث إذا تغيرت حسابات القيادة الإيرانية أو الحرس الثوري أثناء المواجهة؟ وهل يستطيع الحزب الحفاظ على موقف عدم التدخل إذا تعرضت إيران لضربات واسعة، أو إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها ضد لبنان؟ حتى الآن، لا تقدم المعلومات المنشورة إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة. فما نقلته "الشرق الأوسط" يعكس اتصالات وتطمينات سياسية، بينما يكشف تقرير "رويترز" عن تحضيرات عسكرية لا تثبت وحدها اتخاذ قرار بخوض الحرب. وبين الروايتين، يبقى موقف الحزب النهائي مفتوحاً على احتمالات الميدان. وهنا تكمن المعضلة بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام رسائل تطمين من جهة، ومعطيات عن إعادة تسليح من جهة أخرى، من دون ضمانة علنية واضحة بأن قرار الحرب والسلم لن يتخذ خارج مؤسساتها. والخلاصة أن حزب الله قد لا يكون راغباً اليوم في دخول مواجهة جديدة، لكنه لم يعلن التخلي عن هذا الخيار. كما أن استمرار استعداداته العسكرية لا يعني بالضرورة أن ساعة الصفر قد حُددت. وبين قرار عدم التدخل الذي يجري تداوله سياسياً، والقدرات التي يعاد بناؤها عسكرياً، تبقى الحقيقة الأكثر خطورة أن اللبنانيين لا يعرفون حتى الآن من سيقول الكلمة الأخيرة إذا اشتعلت المنطقة. فهل تكون كلمة السر في بيروت، أم في طهران، أم أن الميدان وحده سيقرر مجدداً مصير لبنان؟