تزداد الضغوط الاقتصادية على العائلات مع اقتراب فصل الشتاء، في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة. وتبرز الفئات الأكثر هشاشة في هذه المرحلة، خصوصاً في المناطق التي تفرض ظروفها المناخية أعباء إضافية على الأسر، وسط تساؤلات حول قدرتها على تجاوز الأشهر المقبلة من الشتاء بأقل خسائر ممكنة. يُحذّر الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الدكتور أنيس بو دياب من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على ميزانيات الأسر، مشيراً في حديث لموقع MTV، إلى أنّ المحروقات تشكّل أحد العناصر الأساسية في كلفة المعيشة، فيما تستحوذ على نحو 20 إلى 25 في المئة من ميزانية الأسرة. ويوضح أنّ الارتفاع الكبير في الأسعار لم يترافق مع زيادة مماثلة في المداخيل، بل إنّ بعض المؤسسات باتت عاجزة عن الحفاظ على مستويات الرواتب السابقة، ما أدى إلى تراجُع القدرة الشرائية بشكلٍ هائل. ويلفت بو دياب إلى أنّ آخر إحصاء صدر في 30 أيلول يشير إلى أنّ 80 في المئة من اللبنانيين يواجهون صعوبة في تأمين حاجاتهم الأساسية. هذه الأرقام تعكس واقعاً صعباً حتى في الظروف العادية، فكيف الحال مع حلول الشتاء وارتفاع الحاجة إلى التدفئة، ولا سيما في المناطق الجبلية والباردة؟ كما يُشير بالأرقام، إلى أنّ الأسرة الواحدة في هذه المناطق قد تحتاج إلى ما بين 8 و12 برميل مازوت خلال فصل الشتاء، في حين تصل كلفة البرميل إلى نحو 350 دولاراً، ما يرفع كلفة التدفئة وحدها إلى آلاف الدولارات. ووفق تقديره، لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على تأمين هذه الكمية، نسبة 10 في المئة، الأمر الذي يدفع غالبية العائلات إلى البحث عن بدائل أو تقليص استهلاكها. ماذا عن الحطب؟ يؤكّد بو دياب أنّ الحطب ليس خياراً أقل كلفة بالضرورة، لافتاً إلى أنّ كثيراً من المواطنين يلجؤون إلى تقنين المصروف وتأخير تشغيل وسائل التدفئة أو الحدّ من استخدامها كلياً لتخفيف الأعباء المالية. وفي هذا السياق، استشهد بو دياب بمسح أجرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2023، أظهر أنّ نحو ثلثَي الأسر المشمولة به واجهت صعوبة في دفع تكاليف التدفئة، عندما كانت أسعار المازوت تقارب نصف مستوياتها الحالية. ويعتبر أنّ ارتفاع الكلفة اليوم يزيد المخاوف من اضطرار العائلات إلى الاختيار بين التدفئة والحاجات الأساسية الأخرى مثل الغذاء والأدوية والرعاية الصحية، فيما قد تبقى عائلات من دون تدفئة كافية طوال فصل الشتاء. الأرقام توثّق حجم الكارثة، إذ تُشير بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية ضمن خطة الاستجابة للبنان لعام 2026، وفق ما ينقل بو دياب، إلى أنّ 23 في المئة من اللبنانيين غير قادرين على تحمّل الحد الأدنى من الإنفاق الأساسي. ويُتابع قائلاً: "الأسرة المؤلفة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 1400 دولار شهرياً لتغطية الحد الأدنى من نفقاتها، وفق آخر الإحصاءات، مع اختلاف الكلفة بين المناطق الساحلية والجبلية تبعاً للفصل والاحتياجات اليومية"، مشدّداً على أنّ هذا المبلغ يفترض أصلاً اعتماد مستويات مرتفعة من التقنين، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من مقوّمات العيش بكرامة. ويرى بو دياب أنّ الأوضاع في المناطق الجبلية تُثير قلقاً خاصاً بسبب قسوة الشتاء وارتفاع تكاليف التدفئة، مشيراً إلى أنّ الجمعيات تؤدي دوراً مهماً في مساعدة العائلات ضمن الإمكانات المتاحة، لكن حجم الحاجات يفوق قدرة هذه الجهات على الاستجابة الكاملة، في وقت يزداد فيه قلق اللبنانيين من احتمال توسّع الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. في ظلّ هذه المعطيات، تبقى الحاجة ملحّة لمقاربة اجتماعية واقتصادية تُراعي أوضاع الأسر الأكثر هشاشة، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء. وتبقى قدرة العائلات على تأمين حاجاتها الأساسية مرتبطة بمدى توافر الدعم اللازم واستمرار المبادرات الاجتماعية، في مرحلة تتزايد فيها الأعباء على مختلف المستويات.