إيليش راميريز سانشيز، الاسم الحقيقي للمواطن الفنزويلي المولود في كراكاس، صاحب الاسم المستعار "كارلوس"، الذي ذاعت شهرته بوصفه أحد أخطر الإرهابيين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، هو موضوع كتاب جديد صدر حديثا للكاتب والصحافي الأميركي السابق في صحيفة "واشنطن بوست"، جوبي واريك" تحت عنوان "الثعلب: قيام وانهيار كارلوس... أول سوبر إرهابي في العالم". وقد قدّم واريك لصدور الكتاب بمقال نشره في تموز الماضي في صحيفة "نيويورك تايمز" يقول فيه "هو الآن شيخ مسن، وجهه متغضن وعالمه محدود بزنزانة في دير سابق يُعد من أشد السجون الفرنسية تأميناً وحراسة، في بواسي. بات يكرر كلامه، ويجتهد ليتذكر التفاصيل، وإن بقيت أسماء قليلة محفورة في ذاكرته، فلا تزال أسماء من خانوه أو أهانوا رجولته تستنفر غضبه القديم". الكاتب صحفي أميركي متخصص في الشؤون الأمنية، سبق أن صدر له في عام 2021 كتاب مهم عن سوريا بعنوان "خط أحمر"، يعد من أشمل الأعمال الصحفية التي وثقت استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية في الغوطة في آب 2013، والصفقة التي عقدتها واشنطن لتدمير 1300 طن من غاز السارين في عرض البحر. واستند واريك في كتابه على شهادات حية ومقابلات مع جواسيس، ومفتشين دوليين من الأمم المتحدة وعلماء كيميائيين، وأطباء سوريين عاينوا الضحايا، ومسؤولين في البيت الأبيض. وقد استعار عنوان ذلك الكتاب من عبارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، حين حذّر النظام السوري من أن استخدام الأسلحة الكيميائية، يعد "خطاً أحمر" ستترتب عليه عواقب عسكرية وخيمة. يعيد الكاتب تركيب سيرة كارلوس، متنقلا بين محطات متعددة، بدءا من عمله مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتسب إليها عام 1970، وضمته إلى فرعها المتخصص بالعمليات الخارجية بقيادة وديع حداد، لكونه أوروبي السحنة يتقن أربع لغات، الإسبانية، الإنكليزية، الفرنسية، الروسية. ثم يتناول خلافه مع الجبهة على خلفية عملية فيينا 1975، وطرده منها، وتأسيسه ما يشبه شركة تعهدات دولية للعمليات الإرهابية، مقرها دمشق، بالتعاون مع أجهزة مخابرات سورية وحمايتها وتسهيلاتها، ومنها المخابرات العسكرية والجوية، والأخيرة أحد أكثر الأجهزة السورية دموية في التعامل مع السوريين، وقد اضطلعت بعمليات خارجية، بعضها معروف مثل محاولة تفجير طائرة لشركة العال الإسرائيلية في مطار لندن 1986، وبعضها الآخر غير معروف، حصل في الظل، ونُفذ بالاعتماد على متعهدي العمليات، مثل كارلوس وصبري البنا "أبو نضال". يتضمن الكتاب كشفين جديدين، الأول أن الكاتب استطاع إجراء مقابلة نادرة ومباشرة مع كارلوس داخل سجنه الفرنسي. ويصفه بأنه رجل في السبعينيات من عمره، تراجعت حدته الذهنية، لكنه لا يزال نرجسياً يتباهى بجرائمه. فقد صرّح متبجحا "لقد قتلت 83 شخصاً بيدي.. وكان ينبغي أن أقتل بضعة أشخاص آخرين"، وتحديدا الذين خانوه في السودان وسلموه إلى فرنسا عام 1994، وهو يتهم جماعة حسن الترابي بذلك. أما الكشف الثاني، فهو الوصول إلى وثائق سرية ومواد أرشيفية رُفعت عنها السرية حديثاً، ليبرهن الكاتب على أن الصورة الرمزية لكارلوس كـ "مناضل ماركسي ثوري" كانت هشة، إذ سرعان ما تحول خلال سنوات هروبه العشرين إلى "إرهابي مأجور" ومرتزق تشتري الأنظمة الديكتاتورية خدماته لتصفية خصومها، مقابل مبالغ مالية ضخمة تتيح له حياة من البذخ الشخصي. يقوم منهج الكتاب على وضع كارلوس ضمن المسار العام للإرهاب العالمي، وصولا إلى تنظيم داعش، الذي سبق للصحفي نفسه أن ألف كتابا عنه بعنوان" العلم الأسود: صعود داعش"، نال عليه جائزة بوليتزر الأميركية. ويرى واريك أن أهمية كارلوس التاريخية تكمن في كونه ابتكر نمطا من "الإرهاب المصمم لشاشات التلفزيون". فعملياته، مثل احتجاز وزراء نفط منظمة "أوبك" في فيينا عام 1975 واختطاف الطائرات، لم تكن مجرد هجمات عسكرية، بل "عروضاً درامية" موجهة إلى الإعلام العالمي، وهو الأسلوب الذي أصبح لاحقاً النموذج الإرشادي (Template) لتنظيمات مثل القاعدة وداعش.ويعود الكاتب إلى التنقيب في خفايا شخصية كارلوس، كاشفا عن جوانب من حياته الخاصة لا تزال مادة غنية للإثارة، ومن بينها أنه لم يُجر أي عملية لتغيير ملامح وجهه بعد انكشاف هويته في الصورة التي ظهرت له وهو في عمر 25 عاما يقوم في كانون الأول عام 1975 باختطاف وزراء نفط منظمة أوبك في فيينا. لكنه أجرى عملية تجميل من نوع آخر، تمثلت في إزالة الثديين الكبيرين اللذين رافقاه منذ المراهقة فقد كان ممتلئ الجسم، وكان أصدقاؤه يلقبونه ب " إل غوردو" وتعني بالإسبانية البدين.ويستعيد الكتاب أيضا سيرة العائلة الثرية التي ينحدر منها كارلوس. كان والده محاميا شهيرا كوّن ثروة خلال الطفرة النفطية 1973، وكان شيوعيا معجبا بلينين، لكنه يعلق في منزله صورة لستالين. وقد أطلق على ولده الأكبر اسم إيليش، والثاني فل