"اليسار الفرنسي": غرام بـ"الممانعة" وانتقام من "البابا" رئيس أساقفة مرسيليا يؤكد اقتحام كنائس بالقوة خلال أعمال الشغب بادئ ذي بدء، لا بدّ من الإشارة، إلى أن العنف الثوري في فرنسا، هو نتاج تراكم تاريخي عميق، تضرب جذوره في تحوّلات المجتمع وصراعاته على امتداد قرون. غير أن اليسار المتطرّف، ومعه فئات من المهاجرين (من دون تعميم) حملت من مواطنها الأصلية أحقادًا تاريخية لم تطوِها مئة عام وأكثر، وموروثات دينية تناصب العداء للدولة التي اختارت العيش فيها، هربًا من بلدانها التعيسة، أسهم في تغذية النزعة العنفية وإضفاء مزيد من البشاعة والخطورة عليها. وفي عالم تجاوز مفهوم "القرية الكونية" الذي أفرزته العولمة، ليتحوّل إلى "منصّة كونية" شديدة التشابك والتفاعل، لم تعد الثورات والانتفاضات سجينة شوارعها وساحاتها. وفي هذا الإطار، تبرز فرنسا، بتاريخها الثوري الصاخب وحضورها في الصراعات الفكرية والسياسية، ساحة تتجلّى فيها تناقضات اليسار العبثي، في علاقتين متباينتين: الأولى في غزله ومجاملته لـ"محور الممانعة" بكل تشكيلاته الدينية واليسارية، والثانية في خصومته التاريخية للكنيسة الكاثوليكية، التي تسعى، بدينامية متجدّدة، إلى إعادة الاعتبار للبعد الروحي والأخلاقي في حياة الإنسان الأوروبي والغربي عمومًا، والفرنسي خصوصًا. واكتسبت هذه العدائية تجاه الكنيسة دفعًا جديدًا مع الزيارة التاريخية التي قام بها البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا، بين 25 و28 أيلول 2026، إذ ساهمت مواقف لشخصيات يسارية فرنسية عدة في تعميق مناخ الاحتقان والعنف الذي طاول كنائس عدّة. فأشار رئيس أساقفة مرسيليا ورئيس مؤتمر أساقفة فرنسا الكاردينال جان مارك أفيلين، إلى أن كنائس اقتُحمت قسرًا خلال أعمال الشغب العنيفة التي اجتاحت مرسيليا ومناطق أخرى. وقال في بيان: "مدينتنا، مثل مدن فرنسية كثيرة، كانت ضحية عنف غير مقبول ومخطّط له. نُهبت متاجر، واقتُحمت كنائس". وفي جولة سريعة على أبرز الممتعضين من الزيارة البابوية، كان النائب اليساري أليكسيس كوربيير، المنتمي سابقًا إلى حركة "فرنسا الأبية"، إذ انتقد حجم التسهيلات الرسمية الممنوحة للزيارة، معتبرًا أن بعض مظاهرها تتعارض مع مبادئ العلمانية الفرنسية. واعترض كوربيير على تخصيص بلدية مدينة متز مبلغا من المال لتأمين شاشات عملاقة تتيح للجمهور متابعة القداس. من جهته، وصف "الاتحاد الوطني للفكر الحر" (FNLP) الرحلة البابوية بأنها تجسيد للإكليروسية، واتهم الفاتيكان بالسعي إلى فرض توجيهاته على المجتمع والمؤسسات والحكومة الفرنسية. أما أمينه العام، كريستيان إيشين، فانتقد ما اعتبره تدخّلا من الكنيسة في النقاش السياسي الفرنسي. علمانية في باريس و"ممانعة" في بيروت وإذا كان اليسار الفرنسي يرفض ما يعتبره تدخّلا "بابويًا" في الشؤون الفرنسية، ويتحصّن خلف مبدأ العلمانية لمواجهة حضور الكنيسة الكاثوليكية في المجال العام، فيسمح لذاته في تأييد "حزب الله" والقوى المنضوية في "الممانعة"، فشتّان بين كنيسة تجعل من المحبة والسلام رسالة، وقوى دينية- سياسية تقف على النقيض من مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان والحريات العامة. والأغرب أن يضيق صدر اليسار الفرنسي بالأولى، فيما يتّسع للثانية. ويظهر هذا التناقض الصارخ في تصريحات علنية صدرت عن أبرز رموز اليسار الراديكالي، وفي مقدّمهم مؤسس حركة "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون. في 23 أيلول 2024، أعلن تضامنه مع ما سمّاه "المقاومة اللبنانية"، في معرض إدانته الغارات الإسرائيلية على لبنان. وفي 5 تشرين الأول 2024، ذهب ميلانشون أبعد من ذلك عندما تناول موقع "حزب الله" في المعادلة اللبنانية، معتبرًا أن "تقديمه بوصفه المشكلة، في ظل عجز الجيش اللبناني عن حماية الحدود، ينطوي على نفاق سياسي". وأكد أن "حزب الله مكوّن من الشعب اللبناني، وأنه ليس من حق الخارج أن يقرّر أي المكوّنات اللبنانية جيد وأيّها سيئ". أما منسّق الحركة مانويل بومبار، فأعلن أنه لا يعتبر "الحزب" بكامل مكوّناته منظمة إرهابية. وامتدّ هذا الخطاب إلى داخل الجمعية الوطنية الفرنسية. في 2 حزيران 2026، اعتبر النائب اليساري أرنو لو غال أن "حزب الله ليس سوى ذريعة تستخدمها إسرائيل في حربها على لبنان". وبذلك، وضع لو غال المواجهة في إطار حرب إسرائيلية على لبنان، مسقطًا من حساباته مفهومي "وحدة الساحات" و"معارك الإسناد" بوصفهما سببًا رئيسيًا لاندلاعها. وفي الجلسة نفسها، دار سجال حاد بين وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونواب "فرنسا الأبية". فطالب بارو بإدانة هجمات "حزب الله" وإسرائيل معًا، والدعوة إلى نزع سلاح "الحزب" وانسحاب إسرائيل، بما يتيح للدولة اللبنانية استعادة احتكار القوة المسلحة. لكن رئيسة الكتلة النيابية للحركة، ماتيلد بانو، ردّت باعتراض حاد، ووصفت كلام الوزير بأنه غير مقبول. وفي تقرير