كان انهيار الاتحاد السوفياتي انتكاسة قصيرة للبلشفية الروسية، ولم يكن نهايتها. وبعد أن أدرك المتمسكون بالصيغة السوفياتية أنها قد انتهت فعلاً، أخذوا كل فترة التسعينات يكافحون للوصول إلى السلطة في روسيا الجديدة. وفي سبيل ذلك، خاضوا اشتباكاً مسلحاً في موسكو مع سلطة يلتسين، وكادوا يعودون إلى السلطة فعلياً عبر الانتخابات الرئاسية العام 1996. مضت فترة التسعينات في ظل هذا الصراع بين البلاشفة والسلطات الروسية الجديدة. ورغم إعلان دولة يلتسين التزام الديموقراطية منهجاً للحكم، بقيت المؤسسة الأمنية على وجه الخصوص أمينة للتصور الذي يجعل السلطة مرجعاً مطلقاً، ويعامل الاعتراض بوصفه تهديداً ينبغي احتواؤه أو القضاء عليه. بعد تفكك الدولة السوفياتية، توزعت وظائف الـKGB على أجهزة جديدة، ودخلت روسيا في تسعينات مضطربة شهدت صراعات على السلطة ومحاولات لإقامة نظام سياسي مختلف. لكن تفكك المؤسسات القديمة لم يكن يعني بالضرورة تفكيك التصورات التي حكمت عملها، ولا القطيعة مع ثقافة أمنية تعاملت مع استقلال المجتمع والاعتراض على السلطة بوصفهما مصدر تهديد. وفي ظل غياب مراجعة جذرية للماضي السوفياتي، استمر هذا الموروث داخل مؤسسات الدولة الجديدة، وتكيف مع تحولات المرحلة، قبل أن يتبوأ موقعاً مركزياً مع صعود بوتين. لم تكن البوتينية، بهذا المعنى، استعادةً حرفية للنظام السوفياتي، بل صيغة جديدة لممارسة السلطة حافظت على جوهر منطقها البلشفي: إخضاع المجتمع، وتضييق مجال الاعتراض، واستخدام الأجهزة الأمنية لضمان استمرارية الحكم. المقارنة بين جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وجهاز الـ (KGB)، لا يستقيم اختصارها في السؤال عما إذا كان الأول نسخة عن الثاني، أو في أوجه الشبه والاختلاف بينهما، كما فعل في قسم منه تقرير موقع "Docier" التابع لمؤسسة ميخائيل خودوركوفسكي العام 2019. بل الأهم هو فهم استمرارية المنطق الذي يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع: قمع الاعتراض بأشكاله المختلفة، وفرض الخضوع، والتعامل مع ما تقوله السلطة وتفعله باعتباره أمراً يُحظر نقاشه ولا يخضع للمساءلة. وفي هذا السياق، لا تعمل الأجهزة الأمنية بمعزل عن المؤسسات الأخرى، بل ضمن منظومة أوسع تسعى إلى ضبط المجتمع وتوجيه وعيه. المشترك بين الجهازين لم يقتصر على التشابه في فهم المهمة الأمنية، بل وفي طرق تنفيذها أيضاً. فقد نشر موقع The Insider الروسي المعارض في 15 الجاري نصاً تحدث فيه كيف عاد جهاز الـ(FSB) إلى الممارسة السوفياتية في دفع المعارضين إلى مغادرة البلاد. تمحور نص الموقع حول تجنيد الجهاز تحت الضغط العضوة السابقة في فريق Pussy Riot، ريتا فلوريس، وتكليفها مهمة إقناع المعارضين داخل روسيا بالمغادرة إلى خارج البلاد. لكن ريتا نفسها تمكنت من الإفلات من الجهاز الصيف الماضي بعد ثلاث سنوات من تجنيدها وقيامها تحت الضغط والتهديد بإيذائها وأسرتها، حسب قولها، بإقناع أكثر من فنان في مجال الغرافيتي بمغادرة روسيا. وكانت ريتا قد أدلت بشهادتها هذه إلى الموقع عينه الذي نشر تقريره في آب/ أغسطس المنصرم بعد عشرة أيام من مغادرتها روسيا. وقال المحامي الذي ساعدها لترتيب المغادرة إن الأمر استغرق حوالى السنة، ولم تعد إلى الانضمام إلى زميلاتها في Pussy Riot. لم يكن قمع البلاشفة في العهد السوفياتي مجرد إجراء استثنائي تلجأ إليه الدولة عند وقوع اضطرابات، بل كان عنصراً أساسياً في طريقة إدارة المجتمع. ولم يكن يستهدف فقط المعارضة التي تتجرأ على تنظيم نفسها، وإنما أيضاً الحد من إمكان تشكّل رأي مستقل عن الرواية الرسمية. وقد اضطلعت الأجهزة الأمنية بدور محوري في ملاحقة المعارضين ومراقبة المجتمع، فيما تولّت مؤسسات أخرى ترسيخ القيم والتصورات التي تستند إليها السلطة، وتقديمها باعتبارها الإطار الطبيعي والوحيد لفهم الواقع. ركز البلاشفة بشكل خاص على التعليم بكل مراحله في الاتحاد السوفياتي، ولم يكن تلقين الأيديولوجيا يقتصر على مادة تدريس واحدة في المناهج التعليمية. وكانت عملية تلقين الأيديولوجيا تلاحق المتلقي في جميع نواحي الحياة المدرسية والجامعية، وتدخل في جميع المواد. وكانت شائعة أيام دراستنا في السبعينات مقولة ساخرة: "الشيوعيون لا يدخلون الشيوعية في العلوم، بل يدخلون العلوم في الشيوعية". ولم تكن المسألة مجرد تلقين معلومات عن الحزب أو تاريخ الدولة، وإنما وضع المعرفة ضمن إطار أيديولوجي محدد، يوجّه تفسير الأحداث ويحدد ما ينبغي قبوله بوصفه حقيقة. وبذلك، لم يقتصر دور التعليم على نقل المعرفة، بل شمل أيضاً تشكيل العلاقة بين الفرد والسلطة، وحدود التفكير المسموح به. لا تتخلف روسيا بوتين في هذا المجال عن ممارسة البلاشفة في روسيا السوفياتية. صحيفة نوفايا الروسية المعارضة (كانت حتى الآن صامدة في موسكو، أدرجتها السلطة أوائل الشهر المنصرم مع عدد كبير من العاملي