بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلّفة الموسيقية هبة القواس، افتتحت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق- عربية موسمهما الموسيقي الجديد (2026-2027)، بأمسية تتجاوز حدود الاحتفالية التقليدية لتلامس جوهر الفعل الثقافي ومسار التأسيس الحضاري. أحيت الأمسية الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق- عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج، وكورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار بإشراف وتدريب الأستاذة كاترين غالي استكمالاً لإطلاق "عام 2026 سنة وليد غلمية"، وإحياءً للذكرى الخامسة عشرة لرحيل هذا المعمار الموسيقي الملهم. افتتحت القواس الأمسية بكلمة تحية إلى إبداع غلمية وقراءة تحليلية في موسيقاه، وجاء فيها: "نفتتحُ الليلةَ الموسمَ الموسيقي ٢٠٢٦–٢٠٢٧ للأوركسترا الوطنيةِ اللبنانيةِ للموسيقى الشرق-عربيةِ، في عامٍ يحملُ اسمَ وليد غلمية، ونعودُ فيهِ إلى مرحلةٍ منْ إبداعهِ سبقتِ السمفونياتِ، لكنها لمْ تكنْ أقل غنى في ابتكارها، ولا أقل تعبيرا عنْ شخصيتهِ الموسيقيةِ. نعودُ إلى أغانيهِ ومقطوعاتهِ الأولى، إلى لبنانَ الذي كانَ يسكنُ سمعهُ قبلَ أنْ يتحولَ إلى موسيقى، منْ مرجعيونَ ووادي التيمِ وجبلِ حرمونَ، إلى مهرجاناتِ بعلبك وبيبلوسَ وسواها، حيثُ كانتْ أعمالهُ جزءاً منْ زمنٍ استثنائي في تاريخِ الموسيقى اللبنانيةِ. في تلكَ الألحانِ، ثمةَ شيءٌ يصعبُ أنْ نسميهُ، لكن الأذنَ اللبنانيةَ تعرفهُ فورا. ذلكَ الصوتُ العتيقُ، الآتي منْ عمقِ الأرضِ، والذي أبقاهُ غلميةُ بكل أصالتهِ، فيما مضى بهِ إلى كتابةٍ لمْ تعرفها الأغنيةُ اللبنانيةُ منْ قبل. الإيقاعاتُ المركبةُ، والحركةُ اللحنيةُ الدائريةُ، والكتابةُ الكونترابونطيةُ، والتوزيعُ الأوركسترالي، لمْ تكنْ إضافاتٍ شكليةً إلى أغنيتهِ، بلْ ملامحَ لغةٍ تأليفيةٍ لا تخطئها الأذنُ. وأضافت القواس: "غنّى له هذهِ اللغة كبار الفنانين، قبلَ أنْ يتجهَ غلميةُ إلى مشروعهِ السمفوني الكبيرِ. ولعل في عودتنا اليومَ إلى هذهِ الأعمالِ سؤالاً يتعلقُ بنا نحنُ أيضاً: ماذا نفعلُ بالإرثِ حينَ يصبحُ بينَ أيدينا؟ هلْ نحفظهُ كما وصلَ إلينا، أمْ نمتلكُ المعرفةَ والجرأةَ لنضيفَ إليهِ؟ وتابعت: "هذهِ الأوركسترا التي أسسها وليد غلمية لا تستطيعُ أنْ تكتفيَ بكونها شاهداً على تاريخهِ. عليها أنْ تكونَ امتدادا لفكرهِ الموسيقي. ولهذا، نريدُ للموسمِ الجديدِ أنْ يحملَ انتقالاً نوعياً في مسيرتها: ريبرتواراً جديداً وأكثرَ تقدماً، واستضافةَ قادةِ أوركسترا يفتحُ كل منهمْ أفقاً مختلفاً في الأداءِ والتفسيرِ الموسيقي، وتطويراً مستمراً لمهاراتِ العازفينَ ومستوى إتقانهمْ، وانضمامَ موسيقيينَ جددٍ يوسعونَ طاقتها وإمكاناتها. نريدُ أنْ نذهبَ أبعدَ في مفهومِ الأوركسترا الشرق-عربيةِ نفسها، أنْ نستكشفَ ما تتيحهُ الموسيقى العربيةُ، في تنوعِ مدارسها وآلاتها وأنظمتها اللحنيةِ والإيقاعيةِ، منْ إمكاناتٍ تأليفيةٍ وأوركستراليةٍ لمْ تستنفدْ بعدُ. فالتقاليدُ الموسيقيةُ العظيمةُ لا تقاسُ بما وصلَ إلينا منها وحدهُ، بلْ بما لا يزالُ ممكنا أنْ يكتبَ بلغتها. ولعل هذا هوَ التكريمُ الأعمقُ لوليد غلمية في عامهِ: أنْ نواصلَ تطويرَ الأوركسترا التي أسسها، وأنْ نذهبَ بفكرتهِ إلى آفاقٍ لمْ تطرقْ بعد. وسنواصلُ في هذا الموسمِ حضورنا في المناطقِ اللبنانيةِ، لنصلَ إلى منْ لا يستطيعونَ الوصولَ إلى بيروتَ. فالمؤسسةُ الوطنيةُ لا تقاسُ فقطْ بمستوى ما تقدمهُ على مسارحها، بلْ بقدرتها على أنْ تجعلَ هذا المستوى حقاً ثقافياً يصلُ إلى مختلفِ أبناءِ الوطن". وفي لفتةٍ ارتجالية نابعة من صميم الوجدان والوفاء، عبّرت الدكتورة هبة القواس عن خصوصية تأسيس وليد غلمية للأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية، مقارنةً إياها بالأوركسترا الفلهارمونية، إذ اعتبرت أن الفلهارمونية، على الرغم من كونها حلماً كبيراً تحقق، إلا أنها تقليد عالمي قائم وموجود، في حين أن تأسيس الأوركسترا الشرق-عربية شكّل ابتكاراً لتقاليد جديدة في العزف والأداء لم تكن معتادة في لبنان والعالم العربي. فقد بدأ غلمية العمل فيها من تحت الصفر، مؤسساً لضبط مجموعة العمل (Discipline) وتنظيم الصوت الموسيقي، فرغم أن من جماليات الموسيقى العربية التقليدية ألا تخضع دائماً للصرامة الأوركسترالية، بل تتسم أحياناً بالارتجال والاستمزاج، وهو نمط له خصوصيته وأساليبه الأصيلة في التطريب، إلا أن غلمية أراد إرساء تقليد دقيق في الموسيقى الآلية البحتة. وأشارت القواس إلى واقع العزف قبل عام 2000، حيث كانت أقواس مجموعات الكمان غير متناسقة ويبدو العازفون كأنهم يعزفون معاً ولكنهم ليسوا متطابقين تماماً، إضافة إلى عدم توحيد وضعيات العزف ودقة الالتزام بأزمنة النوطات. وبفضل جهود غلمية وتدريبه المستمر للعديد من العازفين الموجودين حتى يومنا هذا، تطورت ال