نظرة من نافذة مفتوحة على عوالم متعددة "أسفار... عوالم وخواطر وذكريات" لحسين حرب تتأرجح مشاعرك ما بين أسوار وأبراج وحدائق ومطابخ قصر "Topkapi" (إنترنت) صدر عن "دار سائر المشرق" كتاب "أسفار... عوالم وخواطر وذكريات" للكاتب حسين حرب. هذا الكتاب ليس سجلَّ أسفار، بل هو نظرة من نافذة مفتوحة على عوالم متعددة، يتولّى السرد وتداعي الذكريات لملمة أطرافها المتباعدة. هو نوع من السياحة الثقافية بين عالمين. في صفحاته الأولى، يعبر الكاتب مدنًا بعيدة لا بوصفها خرائط وأسماء، بل بوصفها دهشة ومشاعر متضاربة أمام سيرة الآخر، ومرايا للذات. ثم يعود إلى سيرته الأولى، إلى مشاهد من منتصف القرن العشرين. وفي القسم الأخير، يخفّ الإيقاع، ويزداد التأمّل، وتغدو الصفحات ملعبًا لحوارات صامتة ومقارنات خفيّة بين الكائنات. تنشر "نداء الوطن" فيما يلي فصلين من الكتاب. تقف إسطنبول على تقاطع قارتين (آسيا وأوروبا)، وثلاث إمبراطوريات (سلاطين بني عثمان، وقياصرة آل رومانوف، وأباطرة آل هابسبورغ)، وثلاث ديانات (المسيحية الشرقية، والمسيحية الغربية، والإسلام)، وتحمل كوكبة من الأسماء المتعاقبة التي تحيلك إلى عوالم متعددة. وعلى تقاطع ثلاثة أشكال من البحار: بحر مرمرة، ومضيق البوسفور، والقرن الذهبي، تقف ثلاثة من الخيول المطهّمة، تمدّ رؤوسها لتشرب من بحر واحد ذي منابع متعددة، وقد أصابها، في لحظة من الزمن الأول، ما جعلها جمادًا، فاستحالت إلى هضاب ثلاث تنساب على جنباتها منحدرات توزّع الجمالات شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبًا، في لعبة ألوان وأشكال طبيعية متناسقة ومتعاكسة ما بين البرّ والبحور، تطرّزها المراكب والنوارس بمسحات ما بين الأبيض والأسود. في إسطنبول، تتسربل بالتاريخ والجغرافيا، بالمكان والزمان، بالمقدّس والمدنّس. هنا يأسرك المكان، ولا مفرّ لك من سطوة التاريخ. مدينة عتيقة، عريقة، عصرية، يتأبّط فيها قسطنطين ذراع محمد الفاتح، ويعتمر أتاتورك عمامة سليمان القانوني. قباب وأبراج، مآذن وأجراس، كنائس ومساجد، عمائم وقلنسوات، منحدرات وزواريب وأدراج، ميادين وحدائق، أنفاق وجسور معلّقة، سفن وقطارات، مترو وترامواي، أسواق وبازارات، متاحف وآثار... كيفما أبحرت في أزمنتها، فإلى مسامعك تترامى أصداء صنّاجات تصدح، وصهيل خيول، وأصوات مدافع، ومجاديف وأشرعة تعبر، وبيارق ترفرف، وقلاع تسقط وأسوار تتهاوى، وكنائس تقوم مقام معابد، ومساجد تُبنى على أنقاض أديرة. ثقافات وحضارات، أمم وشعوب، تلعب لعبة السيف والترس على الهضاب والمنحدرات. آه... لو تحكي مياه البوسفور، لو ينطق بحر مرمرة، لانتصبت أمام أنظارنا جحافل البؤساء وسلاسل المعذّبين! لصمّت آذاننا آهات المظلومين المجنّدين والمجلوبين من رياح السلطنة الأربع لخدمة السلاطين في إسطنبول. لا تكفّ هذه المدينة عن إدهاشك ومفاجأتك، فلا تشبع منها ولا تتملّى... جميلة، ساحرة، فاتنة، تبدي لك في كلّ مرة تزورها مظهرًا جديدًا، كعارضة أزياء تبدّل أثوابها على ضفاف البوسفور، دائمة التبدّل كمياه النهر، لا تزورها مرتين. غنيّة، ثريّة، هي كنصّ خالد، وكسيمفونية تأخذ موسيقاها بألبابك، وتلعب فيها الهضاب والبحار والمساجد المتناثرة على الروابي والمراكب التي تمخر عباب المضيق دور الآلات. الجمالات في مدينتنا مرمية على ضفاف البوسفور، وفي كلّ مرة تحطّ فيها، لا تعرف من أين تبدأ بلملمة تلك الجمالات... أمِن لآلئ العمارة التي تجمع، في مركّب مدهش، الأناقة والفخامة والضخامة والتناسق؟ تحتار ما بين مطلّ مسجد سليمان القانوني، الذي يتصدّر منطقة الفاتح، بعين له على البوسفور وعين على القرن الذهبي، وبين أناقة واجهاته؛ بين ضخامة أعمدة الجامع الأزرق (pieds d'éléphant)، وبين منمنمات السيراميك والخزف المذهّب والخشب المرصّع بعرق اللؤلؤ والرخام السماقي، المعرّضة لشمائل من الضوء تأتيها من كلّ حدب وصوب عبر أحزمة من الفتحات المزجّجة! تتأرجح مشاعرك ما بين الميادين والفسحات الواسعة في ساحات "تقسيم" الحديثة والـ "Hippodrome" القسطنطيني، وبين الأزقّة والأدراج حول برج "Galata"؛ ما بين أسوار وأبراج وحدائق ومطابخ قصر "Topkapi"، وبين حركة المياه المتماوجة بقدر محسوب، فلا ترتفع عن عتبات قصر "Dolmabahçe" أو عتبات المقاهي المتناثرة على ضفّتي البوسفور. أتترك لنهر الشعوب والأقوام في شارع الاستقلال أن يجرف جسدك، أم تفضّل روائح الفلفل والكمّون والتوابل التي تأتيك من البازار المصري، أم تترك لعابك يسيل أمام مطاعم الكباب والكوفتة وصواني الباذنجان؟ أتتذوّق البقلاوة بالفستق، أم راحة الحلقوم بالرمّان، أم تفضّل قرقشة إسوارة من الكعك بالسمسم (SIMIT) ما بين عربات الباعة، أم تحتسي فنجانًا من الشاي في زاروب متفرّع من شارع الاستقلال؟ "لْبوسْ ع راسك يا ميمتي، شمس القيظْ بتقلي البيضْ". "لْبوس جاكيت يا حسين، أَوّلُ البردِ تَوَقّاه وآخر