شهد لبنان في الآونة الأخيرة مؤتمرين عكسا عمق الصراع الدائر في البلد، بين النخب السيادية وبين المجموعات المنضوية تحت لواء محور إيران، وأظهر كيفية إدارة هذا الصراع بين الجانبين. المؤتمر الأول انعقد بعنوان "المنتدى الوطني للسيادة – لبنان أولا وأخيرًا" في فندق لو رويال – ضبيه، بتنظيم من مؤسسة "بيت لبنان العالم" برئاسة بتي هندي، بالتعاون مع الـ"MTV"، في 21/10/2026 وبحضور ومشاركة شخصيات سياسية وفعاليات اجتماعية وثقافية ودينية واغترابية، ناقشت واقع لبنان والتحديات التي تواجهه، وسبل استعادة الدولة لسيادتها وقرارها الوطني، ووضع البلاد على طريق الإصلاح والنهوض. شارك في الملتقى جمع من القوى السياسية والدينية والنواب والنخب الذين تتابعوا على تقديم رؤاهم للوضع السياسي والأمني والاقتصادي، انطلاقًا من قواعد السيادة الوطنية، حيث قدموا أوراق عمل رصينة حملت أفكارًا وطروحات تبحث في كيفية التعامل مع الواقع اللبناني المعقّد والمركّب، في ظل سلطة سياسية أوصلت البلد إلى نصف البئر وقطعت الحبل بالناس، فإذا بهم عالقين بين خطاب الرئاستين الأولى والثالثة، الذي يضجّ بالعناوين السيادية، وبين الفشل الذريع للحكم في تطبيق خطاب القسم والبيان الوزاري والقرارات الحكومية. كان الثابت الأهمّ في أعمال الملتقى، هو أنّ السيادة بقيت البوصلة المسيطرة، وأنّ التحالف الوطني الواسع، الإسلامي المسيحي، لقيام الدولة ما زال متماسكًا وقادرًا على مواصلة النضال في جولات جديدة، فلم يتعب أصحاب هذا التوجه، بل ذهب النقاش حول كيفية استعادة الزخم الشعبي والسياسي وعدم الاكتفاء بالنضال من داخل مؤسسات الدولة الرسمية، سواء كان مجلس الوزراء أو مجلس النواب. أمّا المؤتمر الثاني فقد عقدته أمانة سرّ "اللقاء الوطني" في لبنان مؤتمرها في 19 و20/10/ 2026 في فندق "لو غراي" وسط بيروت، تحت عنوان "الطائف: سيادة، تحرير، إصلاح". و"اللقاء الوطني" هو واجهة مستجدة لـ"حزب الله" يعمل تحت عناوين الحوار وحلّ النزاعات، بينما هو مكوّن بشكل أساس من مجموعة بعضها يحمل عنوانًا ثقافيًا، لكنّه ملتزم بأدبيات "الحزب" وتوجهاته، والبعض الآخر بلطجي أفّاق لا يمتّ إلى الثقافة بشيء، مثل علي حجازي المسؤول عن حزب البعث السوري المنحل والذي يرأس حزب "الراية" الذي حضر مؤتمره التأسيسي حجازي نفسه ومراسلو المنار والميادين والعهد. تميّز مؤتمر "اللقاء الوطني" الذي حمل عنوان "الطائف: سيادة، تحرير، إصلاح"، بأنّه محاولة جديدة لتزوير وثيقة الوفاق الوطني ومحاولة تشريع العمل الميليشيوي المذهبي الذي يمثله الثنائي الشيعي، وخاصة "حزب الله" تحت عنوان المقاومة، التي سقطت سقوطًا لا نهوض بعده، منذ انقلابها على الداخل في 7 أيار، ثم التورط في العدوان على الشعب السوري، والانتشار في الدول العربية قتلا وإرهابًا وتخريبًا. يتجاهل "اللقاء الوطني" حقيقة الدستور، ويتجاهل أنّ السيادة تبكي في الزاوية مع طغيان إيران واحتلالها للبنان بواسطة الحرس الثوري وقوات "الحزب" التي تأتمر بـ"الحرس". كما يتجاهل اللقاء أنّ التحرير لا يكون بإخراج احتلال والإتيان باحتلال بديل، كما حصل بين إسرائيل وإيران. أما الإصلاح، فهو من المؤتمر ومن "الحزب" وحلفائه براء، فهم سادة التحالف بين السلاح غير الشرعي وبين الفساد، الذي أنتج عهد ميشال عون، وما أدراك ما هو عهد جهنم. يريد "حزب الله" الاستمرار في سرقة العناوين الوطنية وتفريغها وتحويلها إلى عناوين مطوّعة ومعاكسة لمقاصدها وأهدافها التي أقيمت من أجلها، وأهمها اتفاق الطائف والدستور، والزعم أنّه شرّع لـ"الحزب" التفرّد بقرار السلم والحرب وتعريض البلد وأهلها لسلسلة لا تنتهي من الكوارث الأمنية والاقتصادية، بل والوجودية. مؤتمران في بيروت: الأول جسّد التحالف السيادي الحقيقي، وأكّد أنّ "لبنان أولا وأخيرًا" ومؤتمر حاول خطف الطائف وتزويره واستخدامه في خدمة التبعية البائسة لإيران، تحت عنوان "اللقاء الوطني"، وهذا يستدعي من القوى السيادية استعادة زخمها وإطلاق خطة تحركات في المناطق تعزّز المناعة الوطنية في مواجهة وقاحة حزب إيران و"ميليشياتها الثقافية".