في سيناريو قد يقع، يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيسحب القوات الأميركية من الخليج، وأن حمايته لم تعد مسؤولية واشنطن. عندها سوف تتوالى الاتصالات بين العواصم، وتطلب الحكومات توضيحات، فيما تعيد شركات الشحن والتأمين حساب المخاطر. هذا مشهد افتراضي، وليس قراراً معلناً، لكنه يفتح سؤالاً يتجاوز مصير القواعد الأميركية في المنطقة، الى ماذا سيحدث لمنطقة قام جانباً أساسياً من أمنها على قوة تقرر الرحيل؟ يفترض السيناريو هنا، سحب القوات والتخلي عن الحماية العسكرية، مع استمرار العلاقات التجارية واحتمال بقاء الدعم الأميركي لإسرائيل. الصدمة الأولى.. السلاح موجود والمظلة تتراجع لن تجد دول الخليج نفسها بلا جيوش أو دفاعات، لكنها ستواجه نقصاً في القدرات التي تربط منظوماتها وتدعم تشغيلها. فالوجود الأميركي ليس جنوداً ومدارج فحسب، بل إنذار مبكر وقيادة وإمداد وقدرة على إرسال تعزيزات. وتشير الدراسات إلى أن أياً من الشركاء الدوليين المحتملين لا يجمع هذه الوظائف بالمستوى الأميركي. عليه، وخلال الأشهر الأولى، ستسعى دول الخليج الكبرى إلى تسريع التنسيق العسكري، بينما تكثّف عواصم أخرى اتصالات التهدئة والبحث عن ضمانات بديلة. وهنا يظهر الاختبار الأول، هل تتفق الدول الخليج الست على مصدر الخطر وحدود الرد عليه؟ ستحاول بريطانيا وفرنسا توسيع مساهمتهما البحرية والجوية، فيما تعرض الصين الوساطة والاستثمار وضمان تدفق التجارة. لكن بكين، رغم ثقلها الاقتصادي، لا تملك حضوراً عسكرياً إقليمياً يوازي شبكة واشنطن. أما روسيا، فقد توفر السلاح والتعاون السياسي، دون أن تصبح ضامناً شاملاً. وهكذا، يتوزع الفراغ بين شركاء، ولا ينتقل إلى وريث واحد. إذا بقي النظام الإيراني الحالي بعد رحيل القوات الأميركية، فسيسوق الانسحاب باعتباره انتصاراً، وقد يحاول تحويله إلى اعتراف بدور أمني أكبر له في إدارة الخليج. غير أن خروج القوات الأميركية يحمل احتمالين متعاكسين، إزالة أحد دوافع المواجهة مع الدول المضيفة اي النظام الايراني، أو تشجيع طهران على اختبار جيرانها بعدما تراجع الردع الخارجي. ستعتمد النتيجة على سلوك ايران، لا خطابها. فإذا عرضت إيران ضمانات للملاحة وعدم الاعتداء، فقد تفتح باباً لتسوية إقليمية. أما إذا ربطت الأمن بتقييد تحالفات جيرانها، فستدفعهم إلى مزيد من التسلح. وتبقى قدرتها على تهديد المرور في هرمز ورقة ضغط، لكنها لا تعني قدرتها على إخضاع الخليج. وإذا تغير النظام مع استمرار مؤسسات الدولة الإيرانية، فقد تتقدم أولويات التعافي الاقتصادي وتطبيع العلاقات. لكن تغيير القيادة لا يمحو الجغرافيا ولا المصالح القومية، لذلك لن تصبح إيران بالضرورة حليفاً. أما انهيار مؤسسات الدولة، فيضع الخليج أمام قيادات عسكرية متنافسة، وأطراف مسلحة يصعب إلزامها باتفاق. عندئذ، قد يصبح الحفاظ على تماسك إيران مصلحة خليجية ملحة، لأن التفاوض مع دولة خصمة أسهل من ضمان التزام جماعات تتنازع سلطتها. ستكون تركيا مرشحة لتوسيع حضورها الخليجي عبر التدريب والمسيّرات والتصنيع المشترك، مستندة إلى تعاونها الدفاعي مع السعودية وباكستان. لكن تحويل الاتفاق إلى حماية فعلية يتطلب قوات وتمويلاً، كما أن مشاركة باكستان لا تعني تلقائياً توفير مظلة نووية لشركائها. وقد تعرض إسرائيل معلومات استخبارية وتقنيات دفاع جوي، لكنها ستواجه مشكلة القبول والثقة، في ظل عدم وجود حل لقضية فلسطين. وقدرتها على ضرب إيران لا تعادل استعدادها لحماية كل دولة خليجية. واستمرار دعم واشنطن لها قد يزيد وزنها، لكنه قد يعمّق الشكوك في عدالة الترتيبات الجديدة. أما مصر، فتستطيع المساهمة بحماية الملاحة في البحر الأحمر، والتدريب والوساطة، وربما بقوات ضمن مهمة محددة. وقد أعلنت استعدادها لدعم أمن السعودية في تشرين الأول/أكتوبر 2026. غير أن الضغوط الاقتصادية ومتطلبات الإمداد تجعل انتشارا واسعا وطويلاً مكلفاً، والأقرب هو دور مساند، لا بديل كامل لأميركا. ومهما وصفت واشنطن انسحابها من الخليج بأنه نهائي، فقد تعيدها أزمة تهدد تدفق الطاقة أو أمن الملاحة إلى التدخل، ولو مؤقتاً. عندها، ستجد دول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة، بناء قدرتها على حماية أمنها من دون التعويل على عودة أميركية، والاستعداد في الوقت نفسه لعودة قد تحمل شروطاً وأولويات مختلفة. إذن، قد يتجه الخليج إلى منظومة دفاع تقودها دوله، وتساندها شراكات متنوعة وتفاهمات مع إيران، أو ينزلق إلى ترتيبات منفردة تتنافس فيها القوى الخارجية على النفوذ. وسيكون العامل الحاسم قدرة العواصم الخليجية على صياغة موقف مشترك، قبل أن تدفعها الأزمات إلى التفاوض، كل على حدة.