عاش فنان المسرح المصري يوسف وهبي حياته طولاً وعرضاً، صعوداً وهبوطاً، نجاحات عظيمة ونوبات فشل كبير، جرب حياة القصور، وتسكع في الشوارع بحثاً عن لقمة عيش، لكنه في النهاية خلق حالة مسرحية وسينمائية مهمة منذ تمرّده على تقاليد أسرته الأرستقراطية في بدايات القرن العشرين وحتى رحيله في 17 تشرين الأول 1982، للدرجة التي جعلته يختار لمذكراته الشخصية الصادرة في ثلاثة أجزاء عن دار المعارف بالقاهرة في ستينيات القرن الماضي، عنوان "عشت ألف عام". وأحد أهم نجاحات يوسف وهبي كان مسعاه للحصول على رتبة البكوية التي منحها ملك مصر لمن يحظون برضاه، زمن ما قبل ثورة يوليو 1952، وهو ما تحقق له بالفعل قبل أن يلملم العام 1944 أوراقه، والفضل في ذلك يعود إلى المطربة أسمهان بعد رحيلها الغامض. وفي التفاصيل أنه في 10 كانون الأول/ديسمبر 1944، حضر الملك فاروق، ملك مصر والسودان، العرض الخيري الخاص لفيلم "غرام وانتقام"، آخر أفلام "فقيدة الفن" أسمهان كما كانوا يلقبونها في تلك الأثناء، وذلك بدار سينما "ستوديو مصر"، وهو ما اعتبرته الأوساط الفنية حدثًا فريدًا في تاريخ الحياة السينمائية، أن يحضر ملك البلاد عرضًا سينمائيًا، وأن يأمر بتخصيص ريعه لصالح فقراء أهل الفن. وبعد ثلاثة أيام فقط، كان مؤلف الفيلم ومخرجه وبطله الأول، يوسف وهبي، يتسلم براءة الإنعام الملكي عليه برتبة البكوية، ليصبح منذ ذلك اليوم يوسف بك وهبي، وهي الحالة الوحيدة في تاريخ الرتب العليا التي ينالها فنان بسبب عمل فني. صحيح أن وهبي لم يكن الفنان الوحيد الذي يحمل لقب بك، فقد شاركه في ذلك سليمان بك نجيب -على سبيل المثال- لكن الأخير نال اللقب الرفيع بفضل خلفيته الدبلوماسية، إذ عمل قنصلًا لمصر في بعض الدول مثل تركيا، قبل أن يتولى منصب مدير دار الأوبرا الملكية. أما يوسف وهبي فقد نال الرضا السامي بفضل إعجاب الملك بفيلم "غرام وانتقام" وبالتحديد بنشيد "مواكب العز" المعروف بنشيد "الأسرة العلوية" الذي شدت به أسمهان ضمن أحداث الفيلم. وجاء نص الإنعام السامي الخارج من الديوان الملكي على النحو الأتي: الإنعام برتبة البكوية من الدرجة الثانية على صاحب العزة يوسف وهبي بك، حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء أتشرف بإبلاغ دولتكم أن مولانا حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم قد تعطف فأنعــــــــــــــــــــم برتبة البيكوية من الدرجة الثانية صاحب العزة يوســـــــــــــــف وهبــــــــــــــــــــــي بك وقد تسلم عزته البراءة الملكية الخاصة بهذا الإنعام فى 13 ديسمبر الحاضر، وتفضلوا يا صاحب الدولة بقبول فائق الاحترام، وقد استرعت انتباهي في هذا الإنعام السامي بمنح الفنان الكبير تلك الرتبة الرفيعة، نقاط عديدة، منها: أولًا: عبارة "الإدارة العربية" تحت شعار ديوان جلالة الملك، ما يعني وجود إدارة أو إدارات غير عربية تتعلق بالمخاطبات الصادرة من الديوان الملكي لمختلف الجهات الداخلية والخارجية، وهو توضيح كان لا بد منه. ثانيًا: إذا كان الملك فاروق قد منح البكوية لفنان، في سابقة فريدة من نوعها، فإنه في النهاية منحها لسليل أسرة أرستقراطية عريقة. فيوسف وهبي هو ابن إسماعيل بك وهبي، أحد أعيان الفيوم جنوب القاهرة والقطب الإقطاعي البارز. وفي رواية أخرى أن والده كان يحمل رتبة البشوية وليس البكوية فقط، كما أن بعض المصادر أشار إلى أن شقيقه المحامي عبد الله وهبي كان هو الآخر يحمل رتبة البكوية. وخلاصة القول أن الفكر الطبقي ربما لم يغب عن ذهن الملك وهو يمنح اللقب لأحد أبناء الطبقة الأرستقراطية، بدليل أن فنانين حاولوا تقليد يوسف وهبي في تملقهم للملك أو تقربهم منه بأعمال فنية تخلد اسمه، أو دعوات لحضور أفلامهم، مثل عبد الوهاب، وأنور وجدي، وحسين صدقي، لكن أحدًا منهم لم ينل الرضا السامي من جلالته. أما أم كلثوم، التي نالت وسام الكمال، حتى حملت لقب "صاحبة العصمة" سنة 1944 أيضًا بسبب تغيير بعض كلمات أغنية "يا ليلة العيد" توددًا للملك، فقد كانت وضعًا استثنائيًا، إذ أراد الملك من خلال كوكب الشرق زيادة شعبيته في الشارع المصري بعدما اهتزت على إثر حادث 4 فبراير 1942، حينما أجبر الإنكليز ملك مصر على تعيين النحاس باشا رئيسًا للوزراء في ذروة اشتداد معارك الحرب العالمية الثانية. ولئن كان هذا الوسام تحديداً، أرفع مقاماً من رتبة البكوية، إلا أن الوسام شيء والإنعام بالرتب شيء آخر تماماً. ثالثًا: كشفت الوثيقة للمرة الأولى أن بكوية يوسف وهبي التي طنطن بها كثيراً، كانت من الدرجة الثانية، وليست الأولى حسبما كان يدعي دائمًا، رغم أن هذه الدرجات شرفية في المقام الأول، تتعلق بالمزايا البروتوكولية التي يتمتع بها صاحبها ليس أكثر. رابعًا: هناك ملحوظة شكلية صنعتها الصدفة بالتأكيد، أن يكون الخطاب الموجه من الديوان الملكي إلى دولة رئيس الوزراء بتوقيع أحمد حسنين باشا رئيس الديوان