من الأنماط التي احتفظتُ بها منذ طفولتي، حبّي للقرطاسية وأدوات الفن ومواده. فما زال اكتشاف مكتبة مخفية في بيروت، قادراً على استنهاض فضولي: ماذا يمكنني أن أفعل بهذه الريشات الغريبة؟ هل هذا الورق يتشرّب ذاك النوع من الألوان؟ وماذا يحدث حين أضع الأكواريل فوق الباستيل الطبشوري؟ أجدني في فترات الأزمات خصوصاً، ولدينا منها الكثير الحمد لله، أعود إلى مطبخي الإبداعي المتنقّل، الصغير؛ فأجرّب أدوات ومواد، بعضها قديم وبعضها جديد. أختبر احتمالاتها، وربما، بمعنى أدقّ، أراقب نفسي من خلالها. عمليًا، لا أرى المادة البصرية الناتجة وحدها، بل أمسح عبرها ما تغيّر في يُمناي وأصابعي، في عينيّ وفي علاقتي بما أصنع، هنا والآن. أحيانًا، أراني تطورت، أو تخلّفت، أو نسيت جزءًا كان إصيلًا مني، أو أن أمرًا ظننته غاب، ما زال حاضرًا. هذه المرة، كانت التجربة مع الأختام والمحابر. وبينما كنت أفحص أثر كل ختم في ورق أرشيفي، دارت في بالي أفكار عن الطّبع (caractère) والتطبّع. أيّ ذهب سؤالي من: هل سيبتلع رذاذ الأكواريل غبار الباستيل؟ أو أيهما أقوى: خطّ أقلام الشمع، أم خطّ أقلام التلوين الخشبية؟... إلى: ماذا يستقر في القعر من أمزجتنا، وماذا يطفو؟ أيّها يتأقلم مع المُعاش؟ أيّها يحاول الاحتفاظ بمساحته؟ هل تتجادل الأمزجة؟ وهل الطبقة المستحدثة من المشاعر، أو الأحاسيس، تعدّل فقط على ما سبقها؟ أم أنها تمحوها، كما لو أنها لم تكن؟ تدبّ الحياة في الموتيفات على الأوراق، تطير منه إلى أغصان شجرة الحياة، المتجذّرة في الواقع الأرضي. وفي حياتنا، تتراكم طبقات التجارب والعادات، المخاوف والرغبات. بينها ما يبقى غافلًا في سُبات، وما يصحو عند أول محفّز، وما يراوغ تحت أقنعة هشّة، بعدما ظننا أننا تجاوزناه. وفي منتصف العمر، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: "كم من سلوكياتنا الحالية ينتمي إلى حاضرنا؟ وكم منها هو استمرار لأنماط قديمة، تعلّمناها في ظروف لم تعد موجودة أصلًا؟ ربما يكون النمط، طريقة في الكلام، في اللباس، في العادات الغذائية أو التدخين، أو ميلًا ملحًّا إلى الانسحاب، إلى المغامرة أو القلق؛ أو حاجة مستمرة إلى السيطرة؛ أو صعوبة في طلب العون والمساعدة؛ أو استعدادًا لحماية النفس، حتى قبل ظهور الخطر. وقد يكون اعتقادًا راسخًا بأن الحب يهدد الحرية والاستقلالية؛ أو أن التعاطف هو تنازل وضعف؛ أو أن الصّمت أكثر أمانًا من التعبير بصراحة. كثير من هذه السلوكيات ربما نشأ وسط شروط جعلته مفهومًا؛ أو حتى ضروريًا في حينه. لكن ما كان وسيلة للحماية، قد يتحول مع الزمن إلى قيود وسلاسل. وما ساعدنا في عبور مرحلة بعينها، قد لا يكون الأداة المناسبة ليوميات تغيّرت. هل تفسير خلفية سلوك ما، يساعدنا في تحسينه أو الاستغناء عنه؟ أم يتحوّل طريقة مهذبة وأنيقة لتبريره؟ يمكن فهم السلوك من دون تبرير نتائجه. أن نعرف لماذا أصبحنا قساة في موقف ما، من دون أن تصبح القسوة مشروعة. ويمكن أن نفهم أصل رعبنا، من دون أن نسمح لهذا الرعب أن يقرر كيفية تفاعلنا مع العالم. يمكن الاعتراف بأن الماضي يشارك في تشكيل الحاضر، من دون السماح له بأن يحتلّه بالكامل. وفي ظل حروبٍ وصراعاتٍ متلاحقة، يصعب فصل التجربة الفردية عن محيطها: فالعنف السياسي لا يبقى بالضرورة في المجال العام، بل يتسلل إلى حقلنا المعجمي، طريقتنا في بناء علاقاتنا وتعريفنا لما هو بالفعل آمن، كما توقعاتنا من المستقبل. لعل القمع يُدوّر إلى صمت، وتوالي الخضّات إلى رغبة مفرطة في التحكم، والخوف من الخسارة إلى رفض مسبق أو اختفاء قبل أن يُتاح للآخر أن يقترب. وربما نتعلم، في بيئات يكثر فيها التهديد، أن نقرأ كل اختلاف بوصفه خطر المحو، وكل تردد بوصفه خيانة، وكل ضعف بوصفه فرصة لاستدرار الشفقة. إذا انتهى حدث عنيف، هل ينتهي الخوف الذي تركه؟ وإذا تغيّرت الظروف التي فرضها السكوت الطويل، هل سنعاود القدرة على الكلام بلا تلعثم؟ وإذا اضمحلّ الخطر، فهل نتوقف عن توقّعه في أي لحظة؟ لا إجابة واحدة عن كلّ تلك التساؤلات، ولا يجب تحويلها إلى اختبار أخلاقي للمتعبين. لكن التمييز بين الخطر الفعلي والخطر الموروث يصبح، في لحظة ما، جزءًا من مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين. التغيير، بدوره، ليس مسارًا مستقيماً. قد نرى النمط بوضوح، ثم نعود إليه. نفهم أن ردّ فعلنا مبالغ فيه، لكننا نعجز عن منعه في اللحظة نفسها. وقد نكتشف، بعد فترة من الهدوء، أننا نكرر السلوك ذاته في ظروف مختلفة، أو مع أشخاص آخرين. لكن الإياب إلى نقطة الانطلاق، لا يعني تلقائيًا أن شيئًا لم يتغيّر. في تجربة الطبع الفني، مثلًا، فإن الزخرفة الأخيرة لا تلغي الأولى بالضرورة. ربما تغطيها إلى حدّ ما، تنحرف عنها أو تتقاطع معها. لكنها، في النهاية، تترك أثرًا لا يتطابق مع سواه. حتى اللون الذي يبدو عالي الصبغة، لا يمحو ما تحته: ثمة طبقات تبقى مرئية، وإن خ