لا يزال التوتر في المنطقة عند أعلى مستوياته، وسط مخاوف متزايدة من إقدام الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على شن هجوم عسكري واسع ضد إيران، في ظل استمرار الاستعدادات العسكرية والرسائل المتبادلة بين الأطراف المعنية. لكن اللافت في الساعات الماضية كان ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن رفض رئيس الأركان الإسرائيلي أمراً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشن هجوم على إيران، وهو تسريب يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن حقيقة الخلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية، وما إذا كان يعكس انقساماً فعلياً أم يندرج في إطار عملية تضليل عسكري وسياسي. في قراءة هذا التطور، تبرز ثلاثة سيناريوهات أساسية، لكل منها أبعاده وتداعياته المحتملة على مسار المواجهة في المنطقة. السيناريو الأول يقوم على فرضية أن التسريب الإسرائيلي ليس سوى خدعة استراتيجية مدروسة، هدفها دفع القيادة الإيرانية إلى الاعتقاد بأن خيار الحرب قد تراجع، وأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعارض الذهاب إلى مواجهة واسعة في المرحلة الحالية. وبحسب أصحاب هذا التفسير، فإن تل أبيب قد تكون بصدد التحضير لضربة مفاجئة، مستفيدة من حالة الاطمئنان النسبي التي يمكن أن يتركها الحديث عن خلافات داخلية بشأن قرار الحرب. يستند انصار هذه الفرضية إلى اعتبار أساسي، وهو أن قرار شن حرب كبرى ضد إيران لن يكون إسرائيلياً منفرداً، بل يحتاج إلى تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة الأميركية، وربما إلى مشاركة عسكرية أميركية مباشرة. وعليه، فإن الحديث عن قدرة رئيس الأركان الإسرائيلي على تعطيل قرار سياسي بالحرب بصورة نهائية يبدو، وفق هذه القراءة، غير مقنع، خصوصاً إذا كان القرار يحظى بغطاء أميركي واضح. أما السيناريو الثاني، فينطلق من احتمال أن يكون الخلاف حقيقياً، وأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باتت تشعر بقلق متزايد من اندفاع نتنياهو نحو خيارات عسكرية يصعب التحكم بنتائجها. فالحرب مع إيران لن تكون بالضرورة عملية محدودة يمكن إنهاؤها خلال أيام، بل قد تتحول إلى مواجهة استنزاف طويلة تتعرض خلالها إسرائيل لضربات صاروخية قاسية، فضلاً عن احتمال توسع المواجهة إلى جبهات أخرى. وفي هذا السياق، قد يكون بعض القادة العسكريين الإسرائيليين غير مستعدين لتحمل نتائج مغامرة عسكرية يرون أن دوافعها السياسية والانتخابية تتقدم على حساباتها الاستراتيجية. ولا يُستبعد، ضمن هذا السيناريو، أن تكون واشنطن نفسها قد مارست ضغوطاً لمنع التصعيد، وأن يكون الموقف العسكري الإسرائيلي انعكاساً لرغبة أميركية في تأجيل المواجهة، لا رفضها بصورة نهائية. السيناريو الثالث يرتبط بالحسابات الداخلية لنتنياهو ومستقبله السياسي. فهناك مخاوف لدى أوساط معارضة من أن يلجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى عملية عسكرية كبرى، خصوصاً بعد الانتخابات، إذا جاءت نتائجها على غير ما يشتهي، بما يسمح له بفرض واقع أمني وسياسي استثنائي، ومحاولة تأخير انتقال السلطة أو دفع خصومه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت عنوان مواجهة التهديدات الخارجية. وبذلك، تصبح الحرب المحتملة على إيران مرتبطة أيضاً بالصراع على السلطة داخل إسرائيل، وليس فقط بالمواجهة الإقليمية. لكن ما يجمع هذه السيناريوهات هو أن التسريب، سواء كان حقيقياً أو مضللاً، لا يكفي للاستنتاج بأن خطر الحرب قد تراجع. فالمسألة الأساسية لا تتعلق بما يقوله الإعلام الإسرائيلي، بل بالقرار الذي قد تتخذه واشنطن وتل أبيب في اللحظة المناسبة. وحتى تتضح حقيقة المواقف، ستبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، بينها أن يكون الحديث عن رفض الحرب مجرد مقدمة لاندلاعها.