لطالما شكّل الموسم الصيفي محطة أساسية يعوّل عليها لبنان لتنشيط القطاع السياحي وتحريك عجلة الاقتصاد، ولا سيما قطاع المطاعم الذي يستفيد عادةً من توافد السياح والمغتربين وارتفاع حركة الإنفاق خلال هذه الفترة. إلا أن الأزمات المتلاحقة والتوترات الأمنية تطرح علامات استفهام حول حجم الاستفادة من الموسم هذا العام، ومدى انعكاسه على المؤسسات السياحية التي تواجه تحديات متزايدة. فكيف كانت حركة الإقبال على المطاعم خلال الصيف؟ وإلى أي مدى تمكّنت من تعويض الخسائر ومواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل؟ نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي خالد نزهة، يصف في حديثه لـ"لبنان 24"، المرحلة الحالية بأنها من أصعب المراحل التي مرّ بها القطاع منذ نحو 20 عامًا، في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية منذ عام 2019، وتداعيات الحرب والتوترات الأمنية التي انعكست على السياحة وحركة الاستهلاك، وأثقلت كاهل المؤسسات التي لا تزال تحاول الصمود. ويوضح نزهة أن لبنان لم يستفد من الموسم الصيفي بالشكل المأمول، نتيجة المخاوف الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وارتفاع أسعار تذاكر السفر، ما دفع بعض الزوار إلى العدول عن القدوم واختيار وجهات أخرى، مثل قبرص وتركيا واليونان. كذلك، لم يشهد البلد حضورًا للسياح العرب والأوروبيين، فيما تراجعت أعداد المغتربين الوافدين بفعل المخاوف المرتبطة بالأوضاع الأمنية واضطرابات الرحلات الجوية. ولا يقتصر التراجع على الحركة السياحية، إذ يشير نزهة إلى أن انخفاض المداخيل وتراجع القدرة الشرائية أثّرا بصورة مباشرة على الاستهلاك المحلي. ويضيف أن فقدان بعض اللبنانيين العاملين في الدول العربية وظائفهم، وتراجع رواتب آخرين نتيجة الأوضاع الإقليمية، أدّيا إلى انخفاض التحويلات المالية إلى لبنان، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي. وفي ظل هذه الظروف، بات تأمين الاحتياجات اليومية أولوية لدى اللبنانيين، فيما تراجع الإنفاق على المطاعم إلى مرتبة أقل أهمية. ويكشف نزهة أن الحركة خلال موسم الصيف سجّلت تراجعًا تجاوز 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر إلى حجم الضغوط التي يواجهها القطاع. ويلفت إلى أن التراجع شمل مناطق لبنانية عدة، من بينها بيروت والبقاع بأكمله والجنوب، إضافة إلى الشوف والمتن الأعلى وبحمدون وعاليه. في المقابل، كانت الحركة أفضل في المتن وضبيه والنقاش وأنطلياس وساحل المتن والبترون. وإلى جانب ضعف الإقبال، تواجه المطاعم ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل، ولا سيما فواتير الكهرباء والإيجارات. ويوضح نزهة أن فواتير الكهرباء كانت مرتفعة جدًا، مشيرًا إلى أن أحد المطاعم الذي يبلغ إيجاره نحو 3 آلاف دولار، دفع فاتورة كهرباء قاربت 10 آلاف دولار، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف قيمة الإيجار. ويشكّل هذا الارتفاع عبئًا إضافيًا على المؤسسات التي تحاول تغطية نفقاتها والحفاظ على مستوى الخدمة والجودة، رغم تراجع المداخيل. 220 علامة تجارية ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند أصحاب المطاعم، بل تمتد إلى قطاعات ترتبط مباشرة بنشاطها، من الزراعة والصناعات الغذائية إلى الدواجن واللحوم والمونة والعرق والنبيذ والبيرة والمنتجات المحلية، فضلًا عن الموسيقيين والفنانين والعاملين في الخدمات المرتبطة بالمؤسسات. ويشير نزهة إلى أن نحو 50 ألف طالب وطالبة جامعيين يعملون ضمن هذا القطاع، ما يجعل استمراريته مرتبطة أيضًا بالحفاظ على فرص العمل ومصادر دخل آلاف العائلات. وعلى رغم هذه الظروف، يؤكد نزهة أن المؤسسات تبذل جهودًا كبيرة لتأمين الرواتب وتسديد الضرائب والوفاء بالتزاماتها تجاه التجار والموردين، مع الحفاظ على جودة المنتجات وسلامتها. إلا أن استمرار الضغوط يثير مخاوف من إقفال المزيد من المؤسسات، خصوصًا بعد الخسائر التي تكبّدها القطاع منذ الانهيار المالي، وما رافقه من هجرة عدد من أصحاب الخبرات والكفاءات. وفي هذا السياق، يشير نزهة إلى أن القطاع يصدّر نحو 220 علامة تجارية لبنانية إلى الخارج، ما يساهم في نقل الخبرات وتصدير الخدمات اللبنانية، وتوفير فرص عمل للبنانيين في الخارج، فضلًا عن تسويق المنتجات المحلية وإدخال الأموال إلى الاقتصاد الوطني. ويؤكد أهمية دعم هذه العلامات وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية، نظرًا إلى دورها في دعم الإنتاج المحلي وتوسيع نطاق انتشاره. وفي ما يتعلق بالحلول، يشدد نزهة على ضرورة الانتقال من السياحة الموسمية إلى سياحة مستدامة على مدار العام، بما يتيح تنشيط الاقتصاد وضمان استمرارية المؤسسات. ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب استقرارًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتحسين الطرقات ووسائل النقل العام، بما فيها النقل البحري والقطارات. ويقترح نزهة إنشاء خطوط نقل بحري تربط جبيل وصور وصيدا وطرابلس ببيروت، بما يسهم في تخفيف الازدحام المروري و