قدّم وزير المالية ياسين جابر، اليوم، أمام لجنة المال والموازنة النيابية في اجتماعها الأول لمناقشة مشروع موازنة 2027، رؤية مالية وإصلاحية متوسطة الأجل تمتد لخمس سنوات، تجمع بين حماية الاستقرار المالي والنقدي والاستجابة للحاجات الاجتماعية والإنسانية واستعادة الثقة وتهيئة لبنان للتعافي والنمو المستدام. وأكد جابر أن موازنة 2027 ليست إجراءً منفصلًا، بل محطة ضمن مسار أوسع لمعالجة التزامات الدولة المالية، وإصلاح القطاع المصرفي، والمساهمة في استرداد الودائع ضمن إطار متكامل، وإعادة توفير التمويل للاقتصاد، بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمات إلى التعافي وإعادة الإعمار والاستفادة من الفرص الإقليمية. وأوضح أن المسار يستهدف تحقيق فوائض أولية بين 2.5 و3% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق التوجه الذي نوقش مع صندوق النقد الدولي، بهدف تكوين قاعدة مالية تتيح إعادة هيكلة الدين العام، وإعادة رسملة مصرف لبنان، والوفاء بالالتزامات واستعادة الثقة وفتح المجال أمام التمويل والاستثمار، من دون تجاهل الحاجات الاجتماعية أو التضحية بالتعافي. ولفت إلى أن المشروع أُعد في ظروف دقيقة، في ظل تداعيات الأزمات الداخلية والحرب الإقليمية التي خلّفت أضرارًا مادية لا تقل عن 12 مليار دولار منذ 2024، فيما بلغ الانكماش الاقتصادي 5.2% في ذلك العام، مع انكماش إضافي مقدّر بنحو 7% في 2026. كما ارتفع التضخم إلى 17% في نهاية أيلول بعدما كان قد تراجع إلى 11% مطلع العام. وشدد جابر على أن الاستقرار المالي والنقدي ليس مكتسبًا مضمونًا، بل يتطلب مواصلة الانضباط المالي وتحسين تحصيل الإيرادات وترتيب أولويات الإنفاق، مع سقوف إنفاق واقعية وتنسيق مع مصرف لبنان لإدارة السيولة والحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع تحوّل الضغوط المالية إلى ضغوط نقدية جديدة. وفي الإيرادات، قدّر المشروع العائدات بـ628,868 مليار ليرة، أي نحو 7 مليارات دولار، مقابل 6 مليارات في موازنة 2026، على أساس نمو متحفظ بنسبة 3% وتضخم بنسبة 10%. وأكد جابر أن تعزيز الإيرادات سيقوم على توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب وتحسين الامتثال، من دون فرض ضرائب جديدة. وأشار إلى ارتفاع إيرادات الأشهر التسعة الأولى من 2026 بنسبة 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق رغم الانكماش الاقتصادي، نتيجة السياسات المالية التصحيحية وتفعيل الجباية والتحصيل وتعزيز الامتثال ومتابعة المؤسسات العامة. ووضع في صدارة الإصلاحات تحديث قانون ضريبة الدخل، وسد الفجوات الضريبية، وتقليص الاقتصاد غير النظامي، وتطوير التصريح والدفع الإلكترونيين، وتعزيز قدرات الإدارتين الضريبية والجمركية عبر الرقمنة والجباية وتحصين العمليات الرقابية. وعلى الصعيد الاجتماعي، تبلغ اعتمادات الإنفاق الجاري 570,299 مليار ليرة، وتشمل دعم استمرارية القطاع العام وتغطية كلفة 12 راتبًا أساسيًا إضافيًا أُقرت خلال 2026، بما يشمل المتقاعدين والمؤسسات العامة، بكلفة سنوية إضافية تقارب مليار دولار. كما يتضمن المشروع نحو 70 مليون دولار لبرنامج "أمان"، و9,227 مليار ليرة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة، للمرة الأولى، إلى 2,118 مليار ليرة لدعم القروض السكنية عبر المؤسسة العامة للإسكان، وألف مليار ليرة لدعم قروض الطاقة الشمسية. وفي مواجهة تداعيات الحرب، خُصص 7 آلاف مليار ليرة ضمن موازنتي مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة لتلبية حاجات تشمل بدلات الإيواء والتدعيم الإنشائي للنازحين والمتضررين، إلى جانب التمويل الخارجي الميسر، ومنه قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار وقرض الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 70 مليون يورو ضمن مشروع "LEAP". أما النفقات الاستثمارية، فتبلغ 58,569 مليار ليرة، مع أولوية لتسريع المشاريع والاستفادة من محفظة قروض البنك الدولي للتنمية البالغة نحو 1.4 مليار دولار، والمتاحة للتنفيذ والصرف وفق متطلبات المشاريع في قطاعات الطاقة والمياه والزراعة وإعادة الإعمار والرقمنة والحماية الاجتماعية. وربط جابر المشروع برؤية لإعادة تموضع لبنان بوصفه محور عبور وتجارة على شرق المتوسط ومتصلًا بالاقتصاد الإقليمي، معتبرًا أن تعزيز الربط الإقليمي قد يضيف نقطتين مئويتين على الأقل إلى النمو الاقتصادي إذا أحسن لبنان الاستعداد. وأكد أن ذلك يتطلب قطاعًا مصرفيًا سليمًا يستقطب الودائع ويمول النشاط الاقتصادي، ومعالجة مستدامة للدين والالتزامات المالية، والاستثمار في المرافئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية، وإصلاح قطاع الطاقة وتحسين الحوكمة وتعزيز الهيئات الناظمة وتهيئة بيئة الاستثمار الخاص. وشدد على مواصلة العمل مع صندوق النقد الدولي واستكمال الإصلاحات المتفق عليها، ومعالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف وحماية صغار المودعين، والامتثال للمعايير المالية الدولية والخروج من القائمة الرمادي