قد يبدو ملف متفجرات ضهر البيدر قضية أمنية وقضائية لبنانية داخلية، لكن انتقاله إلى الدراسات الصادرة عن مراكز بحثية إسرائيلية يكشف بعداً آخر للاهتمام به، يتصل بالصراع على السلاح وموازين القوى داخل لبنان، وبكيفية انعكاس هذا الصراع على العلاقة بين الدولة وحزب الله. ففي مراجعة للتطورات اللبنانية خلال الأسبوع الممتد من 19 إلى 26 تشرين الأول، وضع مركز مئير عميت الإسرائيلي لأبحاث الاستخبارات والإرهاب ملف المتفجرات ضمن القضايا البارزة، إلى جانب المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية واحتمالات انخراط حزب الله في مواجهة جديدة مع إيران. ولفهم هذا الاهتمام، لا بد من العودة إلى طبيعة القضية نفسها. فقد أثار ضبط شحنة المتفجرات في ضهر البيدر جدلاً واسعاً، ازداد حدة بعد إقرار النائب حسن فضل الله بأن الشحنة تعود إلى حزب الله، وما تلا ذلك من مطالب بإعادتها والإفراج عن الموقوفين المرتبطين بالقضية. ولم يبق النقاش محصوراً في مصدر المتفجرات أو وجهتها، بل انتقل إلى مجلس الوزراء مع طرح إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وما رافق ذلك من خلاف سياسي بشأن طبيعة القضية والمرجعية القضائية التي يجب أن تتولاها. ومن هذه النقطة تحديداً يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي. فالملف يجمع بين ثلاثة عناصر تتابعها المؤسسات البحثية المعنية بالشأن اللبناني: علاقة حزب الله بالأجهزة الرسمية، وحدود سلطة الدولة في ضبط السلاح، ومدى استعداد القوى السياسية والمؤسسات القضائية لمواجهة الملفات الأمنية الحساسة. غير أن إدراج القضية في دراسة صادرة عن مركز إسرائيلي لا يعني أن المؤسسة تمتلك بالضرورة معلومات استخباراتية سرية بشأنها. فالمراكز البحثية تعتمد في جانب مهم من عملها على المصادر المفتوحة، ومنها الأخبار والتصريحات والبيانات والتغطيات الصحافية اللبنانية. وعليه، فإن القيمة الأساسية لهذه المتابعة تكمن في طريقة تفسير الوقائع وتجميعها، وليس في افتراض أنها تكشف معلومات جديدة لم تصل إلى اللبنانيين. واللافت أن وضع ضهر البيدر إلى جانب المفاوضات مع إسرائيل واحتمال الحرب مع إيران يوحي بأن المركز يتابع الملف ضمن صورة أشمل للعلاقة بين القرار العسكري لحزب الله والقرار الرسمي للدولة اللبنانية. ومن وجهة النظر اللبنانية، تبقى القضية مرتبطة بأسئلة قانونية وأمنية واضحة: ما طبيعة المتفجرات المضبوطة؟ من كان مسؤولاً عن نقلها؟ هل ارتُكبت جرائم تستدعي إحالتها إلى المجلس العدلي؟ وما الموقف الواجب على المؤسسات الرسمية اتخاذه وفق الأدلة والقوانين النافذة؟ وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تتحدد أجوبتها انطلاقاً من القراءة الإسرائيلية، بل من التحقيقات اللبنانية والإجراءات القضائية والوقائع المثبتة. كما أن خطورة الملف لا ترتبط بما تقوله عنه إسرائيل، بل بما يمكن أن تكشفه التحقيقات من مخالفات محتملة تمس الأمن الوطني وسلطة المؤسسات. وتكشف المتابعة الإسرائيلية، في نهاية المطاف، كيف تتحول القضايا اللبنانية الداخلية إلى مادة لتحليل موازين القوى في لبنان وتقدير مستقبل العلاقة مع حزب الله. لكن الفارق يبقى أساسياً بين أن تراقب مؤسسة إسرائيلية الخلافات اللبنانية وأن تكون قادرة على إثبات استنتاجاتها بشأنها. وما يحتاجه لبنان أولاً ليس تفسيراً إسرائيلياً لقضية ضهر البيدر، بل تحقيقاً قضائياً موثقاً يجيب عن الأسئلة التي لا تزال مطروحة أمام اللبنانيين.