ثمة رسالتان بارزتان اليوم، بالتزامن: أميركية من بيروت وإسرائيلية من بنت جبيل.ففيما كانت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية تطلق من قلب بنت جبيل تصريحًا يندرج في إطار الحرب النفسية على لبنان، ويحمّل "حزب الله" مسؤولية تدمير المدينة، نتيجة لانضمامه إلى الحرب قبل اشهر، كان السفير الأميركي ميشال عيسى يطلق من بيروت موقفًا آخر يتوجه فيه إلى حزب الله أيضًا، وخلاصته: "نتفاوض مع حزب الله إذا عنده شيء يقدمه إلينا". و"الشيء" واضح، هو ترسانته العسكرية وكامل بنيته التحتية. وبين هاتين الرسالتين، تطلق اسرائيل العنان لاستراتيجية ميدانية خطرة تعتمد سياسة "القضم الهادئ" وتوسيع الحزام الأمني. ويُظهر التوغل الإسرائيلي في تسع بلدات على الأقل، من كفرتبنيت والمنصوري ومجدل زون وصولًا إلى بيوت السياد، أن تل أبيب تعمل تحت ضجيج المفاوضات، لتوسيع "الخط الأصفر"، فيما العمل ناشط لإنشاء المواقع الثابتة والسواتر في زوطر الشرقية وأرنون ويحمر، ويترافق ذلك مع عمليات التجريف والنسف كما في بني حيان وبنت جبيل والمنصوري، بهدف إزالة البيئة الحاضنة والعمرانية، وتحويل المناطق الحدودية إلى نطاق عازل ومحروق يمنع أي عودة مستدامة للسكان، وليس فقط للبنية العسكرية. في ظل هذا المأزق، يعكس تأكيد الرئيس جوزاف عون على أن "لا خيار إلا التفاوض" إدراكًا رسميًا لمحدودية الخيارات العسكرية أمام آلة القصف والتجريف، ومحاولة لتثبيت مرجعية الدولة، على رغم علم السلطة التنفيذية بأن التفاوض يتم في ظل اختلال موازين القوى. كما أن تعثّر التوافق على القوات الدولية البديلة، ورفض إيطاليا والدول المرشحة للقيادة من دون ضمانات أمنية صارمة ومباشرة، يُبقي الجنوب مهددًا بالفراغ الأممي واستفراد إسرائيل، ما يُسهّل عليها الاستمرار في عمليات القضم والتجريف بلا رادع. ووفق هذه المعطيات الميدانية والدبلوماسية، يخشى أن يقود المسار التفاوضي الحالي إلى إلزام لبنان، باعتباره الطرف الخاسر، بما يشبه الاستسلام التدريجي، في ظل تراخٍ أميركي وصمت دولي. لم يكن اختيار بنت جبيل لإطلاق الرسالة الإسرائيليّة تفصيلًا عابرًا. فالمدينة، بما تمثّله في الذاكرة السياسيّة والعسكريّة للصراع، تحوّلت إلى منصّة أرادت إسرائيل من خلالها تثبيت صورتين متلازمتين: قدرتها على الوصول إلى قلب الجنوب، وقدرتها على إعادة صياغة رواية تدميره. فعوض أن تظهر إسرائيل بصفتها القوّة التي قصفت ونسفت واحتلّت، سعت المتحدّثة باسم جيشها إلى تحميل "حزب الله" وحده مسؤوليّة الخراب، بذريعة قرار فتح الجبهة. هذه الرسالة موجّهة إلى البيئة الجنوبيّة بقدر ما هي موجّهة إلى الحزب. ومضمونها أنّ استمرار السلاح لن يحمي القرى، بل سيجعلها تدفع كلفة إضافيّة. إلّا أنّ هذه الرواية تتعمّد إسقاط مسؤوليّة إسرائيل المباشرة عن التدمير المنهجي، كما تتجاهل أنّ تل أبيب لا تكتفي بضرب أهداف عسكريّة، بل تعمل على تغيير طبيعة الأرض وشروط السكن فيها. فالنسف والتجريف وإقامة السواتر ليست مجرّد نتائج جانبيّة للحرب. إنّها أدوات لإنتاج جغرافيا جديدة. وعندما تترافق مع ظهور إعلامي إسرائيلي من داخل بنت جبيل، يصبح الهدف مضاعفًا: تكريس السيطرة الميدانيّة، ثمّ تحويل هذه السيطرة إلى تفوّق نفسي وسياسي. في بيروت، جاءت رسالة السفير الأميركي ميشال عيسى أقلّ استعراضيّة، لكنّها أكثر وضوحًا سياسيًّا. فحديثه عن إمكان التفاوض مع "حزب الله" إذا كان لديه "شيء يقدّمه"، ينقل الموقف الأميركي من رفض التواصل المبدئي إلى قبول تفاوض وظيفي، شرط أن تكون نتيجته محدّدة سلفًا. المطلوب ليس حوارًا حول مستقبل الجنوب أو الضمانات المتبادلة، بل عرض يتعلّق بالسلاح. بهذا المعنى، لا تفتح واشنطن بابًا سياسيًّا أمام الحزب، بل تعرض عليه قناة لتسليم ورقته الأساسيّة. وهذا ما أكّده عيسى عندما ربط غياب وقف الاعتداءات الإسرائيليّة بعدم تسليم الحزب سلاحه، متسائلًا: "لماذا نطلب من إسرائيل فعل كلّ شيء؟". هكذا، تنقلب معادلة التفاوض من مسار يقوم على التزامات متبادلة إلى ترتيب زمني يطالب لبنان بالبدء، فيما تحتفظ إسرائيل باحتلالها وعمليّاتها بوصفهما وسيلة ضغط. والمشكلة ليست في مطالبة الدولة بحصر السلاح في يدها، وهي مسألة سياديّة لبنانيّة، بل في تحويل الاعتداء الإسرائيلي إلى أداة لفرضها. فحين يصبح وقف القصف والانسحاب مكافأة مشروطة بنزع السلاح، لا يعود الاحتلال خرقًا ينبغي إنهاؤه، بل يتحوّل إلى ورقة تفاوضيّة مشروعة في الخطاب الأميركي. يحاول عيسى تقديم المفاوضات الجارية باعتبارها مسارًا تقنيًّا لا يحتاج دائمًا إلى مواعيد معلنة. لكنّ غياب الجدول الزمني لا يعني أنّ الوقت متوقّف. ففيما ينشغل الوسطاء بتحديد المنطقة التجريبيّة "شجرة شجرة وبيتًا بيتًا"، تتحرّك إسرائيل على الأرض بسرعة أكبر، وتنشئ وقائع يصعب التراجع عنها. وهنا يظهر الخلل الأساس