أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة اقتصادية واسعة لتشديد الخناق المالي على إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات تفضي إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، إلا أن طهران تعتمد على شبكة معقدة بنتها على مدى سنوات، تشمل مخزونات نفط عائمة ومشترين صينيين ومدفوعات باليوان والعملات المشفرة وشركات واجهة، في محاولة للالتفاف على العقوبات والحصار الأميركي والحفاظ على موارد تمويل اقتصادها وبرامجها العسكرية. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، اليوم الأربعاء، أطلقت إدارة ترامب على حملتها اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي" وتعمل من خلالها على الضغط على قادة دول العالم لوقف التعامل التجاري مع إيران، بالتوازي مع تهديد الشركات التي تواصل التعامل معها بحرمانها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وتتزامن الحملة الاقتصادية، وفق الصحيفة، مع حصار أميركي للموانئ الإيرانية يستهدف خنق المصدر المالي الأساسي لطهران، المتمثل في صادرات النفط، لكن إيران أمضت سنوات في بناء منظومة معقدة لبيع النفط وإدارة الأموال عبر قنوات مصرفية ومالية سرية، تراهن على أن تساعدها في إبقاء اقتصادها وقدراتها العسكرية قائمة لفترة تكفي للصمود أمام الضغوط الأميركية. عشرات ملايين البراميل خارج الحصار وقالت "وول ستريت جورنال" إن الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية أدى إلى خفض صادرات النفط الإيرانية، وهي المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، إلى مستويات تقترب من الصفر، إلا أن طهران لا تزال تمتلك ملايين البراميل المخزنة في ناقلات نفط في عرض البحر، ولا سيما في المياه القريبة من ماليزيا. وتظل الصين المشتري الأهم للخام الإيراني، إذ تستحوذ على أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية. وعلى الرغم من أن الحصار حدّ من عمليات التسليم، أظهرت بيانات شركة "كبلر" أن بكين استوردت أكثر من 500 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني منذ بداية آب/أغسطس الجاري. وتعتمد هذه الشحنات، بحسب التقرير، على منظومة معقدة من عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، إذ تفرغ ناقلات خاضعة للعقوبات حمولاتها في سفن أخرى بالمياه الدولية قبالة السواحل الماليزية بهدف إخفاء المنشأ الحقيقي للخام، قبل أن تنقل الناقلات الجديدة الشحنات إلى الصين، حيث تُسجَّل بوصفها واردات غير إيرانية. وقدّرت شركة "فورتكسا"، المتخصصة في تتبع حركة السفن والطاقة، أن إيران تمتلك نحو 80 مليون برميل من النفط الخام في مخزونات عائمة بالمياه الآسيوية، وهي كميات تمثل إيرادات محتملة بمليارات الدولارات يمكن لطهران الاستفادة منها رغم القيود الأميركية. وأشارت الصحيفة إلى أن العقوبات الأميركية تقوم تقليدياً على حرمان الدول والكيانات المستهدفة من الوصول إلى النظام المالي الأميركي، إلى جانب تهديد الشركات التي تتعامل معها بالعقوبات، لكن فاعلية هذه الآلية تتراجع عندما تتمكن الدول المستهدفة من إجراء معاملاتها خارج النظام المالي الأميركي ومن دون استخدام الدولار. وفي الحالة الإيرانية، تبيع طهران معظم نفطها إلى الصين، وبلغت قيمة الخام الذي باعته لبكين خلال فترة الهدنة القصيرة مع الولايات المتحدة في الصيف نحو 6 مليارات دولار، وفق "وول ستريت جورنال". وأضاف التقرير أن حصة متزايدة من هذه التعاملات تجري تسويتها باليوان الصيني، ما يسمح لإيران باستخدام العائدات في شراء سلع وخدمات صينية بعيداً عن القنوات المالية التي تستطيع الولايات المتحدة مراقبتها. كما تلجأ طهران إلى ترتيبات مقايضة، تحصل بموجبها شركات صينية على النفط الإيراني مقابل تنفيذ مشاريع بنية تحتية داخل إيران. وترى الصحيفة أن إجراء هذه المعاملات خارج نطاق إشراف السلطات الأميركية يحدّ من قدرة واشنطن على استخدام هيمنة الدولار والنظام المالي الأميركي في تطبيق العقوبات. ووفق "وول ستريت جورنال"، شهد قطاع العملات المشفرة المرتبط بإيران نمواً سريعاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما أدت العقوبات إلى الحد من وصول طهران إلى العملات التقليدية، وفي مقدمتها الدولار. ونقلت الصحيفة عن باحثين أن النظام الإيراني استخدم عملات مشفرة بمليارات الدولارات لتنفيذ معاملات تجارية وشراء أسلحة وسلع مختلفة. كما استخدم الحرس الثوري الإيراني منصات للعملات المشفرة للحصول على عائدات مبيعات النفط، ولا سيما المبيعات المتجهة إلى الصين. وردّت واشنطن بفرض عقوبات على منصات إيرانية للعملات المشفرة، كما صادرت أكثر من مليار دولار من العملات الرقمية الإيرانية، الأمر الذي جعل نقل الأموال عبر هذه القنوات أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة لطهران. لكن التقرير أشار إلى أن مراقبة سوق العملات المشفرة تظل مهمة معقدة، نظراً إلى أن جزءاً كبيراً من القطاع لا يخضع لتنظيم صارم، فضلاً عن إمكانية إجراء معاملات بدرجات مختلفة من إخفاء الهوية. ونقلت الصحيفة عن باحثين قولهم إن المنصات