مع اقتراب الحرب من نهاية عامها الثالث وفي ظل توسع جبهاتها واحتمال انضمام أخرى، يرى كثيرون أن منطقتنا تدخل أخطر مراحل الصراع فيها بعد أن عجز العدو، بشكل واضح، عن حسم المعركة لصالحه. وفيما تراهن الولايات المتحدة على الحصار الاقتصادي والمالي لحسم المعركة مع إيران، تجد إسرائيل نفسها في موقع بالغ الحساسية والريبة من قدرتها حتى على المراهنة. فتعدد الجبهات دفع الكثيرين، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية والتي تشهد تراجعاً واضحاً لمكانة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف المستقبلية، للمراهنة على جبهة تفجير الصراع. البعض لم يستبعد فتح الصراع مع تركيا رغم مخاطره الكبيرة، وآخرون اكتفوا بهامش الحرب في لبنان، وبعضهم رأى أن سوريا هي الجبهة الساخنة المقبلة. لكن طوال الوقت وفي ظل دوي المدافع في كل الجبهات كان الجهد الإسرائيلي مركّزاً بدأب على حسم المعركة في الضفة الغربية. ويمكن القول، دون مبالغة، أن حسم المعركة في الضفة الغربية تعني، وفق كل المعايير، حسم المعركة في إسرائيل نفسها ليس فقط بين يمين ويسار وإنما أساساً داخل اليمين نفسه، بتغليب اليمين الكهاني المتطرف. وثمة من يرون أن نتنياهو أفلح في تسييد اليمين المتطرف على ما عداه، أولاً، داخل الليكود، وتالياً، في الحلبة السياسية والأهم داخل المجتمع الإسرائيلي. وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات المقبلة، وحتى إن خرج نتنياهو منها خاسراً، فإنه فعلاً وقولاً حقق أهداف اليمين السياسية على الأقل في المرحة المقبلة. وربما لن يتمكن أحد داخل إسرائيل في العقدين المقبلين من تغيير جوهر الأهداف التي اعتمدها وسعى إليها نتنياهو واليمين المتطرف. وهذا ما يعتبره كثيرون فخاً قاتلاً يحشر مستقبل إسرائيل في زاوية ضيقة ومن دون آفاق حقيقية للخروج منها. وهذا هو المعنى الحقيقي لتصريحات نبي الغضب الإسرائيلي، الجنرال اسحاق بريك حول الطريق الآمن لـ"دمار الهيكل الثالث" الذي تسير فيه إسرائيل حالياً. إذ لاحظ في مقالته الأخيرة في "معاريف" هذ الأسبوع، أن "المجتمع الإسرائيلي يقف اليوم على حافة هاوية سحيقة، أعمى عن الواقع تماماً، مدفوعاً بنشوة السلطة والتعصب والضغائن السياسية التي لا تُغتفر. لطالما انتقدتُ بشدة، وبلا هوادة، جميع القطاعات، بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الدين. أُدين بشدة كل من يُهدد أمن الدولة، بأفعاله وأفكاره وسلوكه - يساراً كان أو يميناً، متديناً أو علمانياً، عرباً أو يهوداً، كثير منهم تحركهم الأيديولوجيا وينتمون إلى قطاع أو آخر، عندما لا تكون الحقيقة والوقائع نبراساً لهم، وهم على استعداد لتدمير كل ما هو جيد فيمن يخالفهم الرأي، ويُلحقون ضرراً بالغاً بالصمود الوطني، ويعيشون في حالة إنكار وقمع، ويقربون إسرائيل من تدمير الهيكل الثالث". فائتلاف نتنياهو قرر وفق كبار المعلقين الإسرائيليين خوض حروب حتى موعد فتح صناديق الاقتراع في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وإلا فإنه سيعمد إلى إلغاء الانتخابات بدعوى تاجيلها. غير أن الحرب في مختلف الجبهات مكلفة بل وباهظة التكلفة لدرجة أن إسرائيل نفسها صارت تخشى على اقتصادها من الانهيار. فميزانية دفاع سنوية بما يزيد عن 60 مليار دولار تحدث ثقباً أسود في الاقتصاد الإسرائيلي كفيل بتدميره، خصوصاً في ظل هجرة سلبية وتراجع في حجم الاستثمارات. ومع ذلك لا مفر لنتنياهو من مواصلة الحروب بحثاً عن أسهلها وأقلها كلفة وأكثرها مردوداً على الصعيد الانتخابي وهو التركيز على غزة والضفة الغربية. فالحرب الإسرائيلية في الجبهات الأخرى باتت مقيدة وأشد كلفة. ومثل هذه الحروب كفيلة بتحقيق الحلم الصهيوني الكهاني وتنهي خرافة الحلم الصهيوني الديمقراطي. حذر رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير وقائد المنطقة الوسطى الجنرال آفي بلوط، القيادة السياسية في اجتماع عقد ليل الاثنين الماضي، من أن الضفة على وشك الانفجار بسبب اعتداءات المستوطنين على القرى والمدن الفلسطينية. ووصف الجنرال بلوط ما أسماه بـ"الجرائم القومية" ضد الفلسطينيين بأنها "عود ثقاب كفيل بأن يشعل كل شيء في لحظة". وقيل في الاجتماع الذي حضره أيضاً نتنياهو ووزير أمنه إسرائيل كاتس، أن انشغال الجيش بجرائم المستوطنين يضعف قدرته على الاستعداد لمواجهة "الإرهاب الفلسطيني". وأشار الجيش إلى أن ما يسميه "عنف المستوطنين"، يعرض قيادة الجيش للحرج مع الأميركيين الذين باتوا يبدون اعتراضات أشدّ على سلوكيات إسرائيل والمستوطنين. لكن عنف المستوطنين لم يكن حدثاً ارتجالياً من مجموعات متمردة بقدر ما كان فعلاً مخططاً له من جانب قوى مركزية في الحكومة الإسرائيلية وبهدف واضح وهو تفجير الوضع. والأمر حقاً لم يبدأ فقط في ولاية نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وإنما قبل ذلك بكثير عندما كان هدف الحكومات اليمينية السابقة خلق واقع يحول دون قيام دولة فلسطيني