قد لا يكون أكثر ما يخشاه حزب الله في المرحلة الراهنة تصعيداً إسرائيلياً أو تشدداً دولياً، بل أن يتفاقم الخلاف داخل بيئته السياسية، ويتحول التباين مع حركة أمل إلى شرخ شيعي داخلي يفتح الباب أمام انقلاب في موازين القوى من داخل البيت نفسه. ولعلّ ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال الأسبوع الماضي يشكّل إحدى أبرز الإشارات إلى هذا الاحتمال. فحديثه عن أن العلاقة مع حزب الله كانت أقرب في أيام الأمين العام السابق حسن نصرالله، وقوله «لا أخ أكبر ولا أخ أصغر»، يحملان دلالات سياسية تتجاوز مجرد توصيف العلاقة بين حليفين، خصوصاً بعدما درج الأمين العام للحزب نعيم قاسم على وصف بري بالأخ الأكبر. فهل أراد بري بذلك تصحيح معادلة العلاقة، أم توجيه رسالة إلى الحزب بأن الشراكة لا تعني التبعية، وأن لكل طرف حساباته وقراراته؟ وتكتسب هذه الإشارات أهمية إضافية في ضوء مواقف بري الأخرى، ولا سيما تشديده على دور الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، وتمسكه بالمشاركة في جلسات مجلس الوزراء، بما يعكس حرصاً على تثبيت موقعه السياسي في مرحلة تتشابك فيها الضغوط الداخلية والخارجية. ولا تقف المؤشرات عند حدود المواقف العلنية. فشخصيات نافذة ومقرّبة من الرئيس بري تنتقد، في الصالونات السياسية الضيقة، أداء حزب الله وخياراته وطريقة إدارته للملفات المصيرية. وهذه الأحاديث، وإن لم تكن بحد ذاتها دليلاً على قرار بالافتراق، تعكس مناخاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً إذا كانت تعبر عن مراجعة أوسع لكلفة التحالف وحدود الاستمرار في تغطية قرارات يتحمل لبنان نتائجها. واللافت أن المرحلة المقبلة قد لا تجد الطرفين أمام خلاف طارئ فحسب، بل أمام استعدادات متبادلة لاحتمال تبدل قواعد العلاقة. فحزب الله، الذي يدرك حساسية خسارة الغطاء السياسي الذي يوفره بري، معني بإعادة تحصين موقعه داخل بيئته والحفاظ على تماسك تحالفاته، فيما تبدو حركة أمل معنية بدورها بتعزيز استقلالية قرارها، وحماية موقعها السياسي والنيابي، وتوسيع هامش حركتها تحسباً لمتغيرات قد تفرض عليها خيارات مختلفة. والاستعداد هنا لا يعني بالضرورة وجود خطة انفصال محسومة لدى أي من الطرفين، لكنه احتمال تفرضه طبيعة المرحلة وحجم المخاطر المحيطة بها. فالتباينات بين الحليفين ازدادت حساسية بعد الحرب الأخيرة، وخصوصاً مع اتساع الهوة بين الحسابات اللبنانية ومتطلبات الدور الإقليمي الذي يؤديه حزب الله في سياق علاقته بإيران. فالحزب ينظر إلى خياراته من زاوية استراتيجيته الإقليمية، فيما يجد بري نفسه أمام تداعيات داخلية وسياسية وشعبية لا يستطيع تجاهلها، ولا سيما حين تصبح إعادة الإعمار والاستقرار ومستقبل الجنوب في صلب النقاش. وفي هذا السياق، يبدو موقف وليد جنبلاط قريباً جداً من مقاربة بري في التشديد على أولوية الاستقرار الداخلي وتجنب المغامرات التي يدفع لبنان أثمانها. وأي تقاطع بين الرجلين، إذا انتقل من تشابه المواقف إلى تنسيق سياسي أوسع، قد يشكل عاملاً إضافياً في إعادة رسم التوازنات الداخلية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بسلطة الدولة والجيش ومستقبل السلاح. بالنسبة إلى حزب الله، تكمن خطورة هذا المسار في احتمال خسارة غطاء سياسي من داخل البيئة التي شكلت إحدى ركائز قوته. فالخلاف مع الخصوم يمكن مواجهته بالتعبئة السياسية، أما التباعد مع حليف يمتلك ثقلاً نيابياً وشعبياً وعلاقات واسعة، فيضع الحزب أمام معادلة مختلفة، خصوصاً إذا انتقلت الانتقادات من الصالونات إلى المواقف السياسية المعلنة. لكن حركة أمل بدورها لا تستطيع التعامل مع أي افتراق محتمل باعتباره مكسباً مضموناً، إذ إن كلفة الانقسام داخل البيئة الشيعية قد تطال الطرفين، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية، وربما أمام تنافس على التمثيل والنفوذ والشارع. لذلك، فإن الاستعداد لمرحلة جديدة قد يكون في الوقت نفسه استعداداً للمواجهة السياسية واستعداداً لتجنبها، بحسب اتجاه التطورات. وهنا تحديداً تكمن حساسية اللحظة. فليس بالضرورة أن يكون الانقلاب الذي يخشاه حزب الله انقلاباً سياسياً معلناً، بل انقلاباً في القناعات والتوازنات، يبدأ بكلام في الصالونات، ويمر بتمايز في المواقف، وقد ينتهي بإعادة رسم حدود الشراكة والقرار داخل البيت الواحد. فأخطر ما قد يواجهه الحزب ليس اعتراض خصومه، بل أن يجد نفسه أمام حلفاء يستعدون لمرحلة قد لا يكون فيها القرار كما كان، ولا التحالف كما اعتاده، ولا وحدة الموقف ضمانة دائمة مهما تبدلت الظروف