جرى يوم الجمعة الفائت توقيع كتاب "NEXT" للأستاذ ألان بجاني في مكتبة أنطوان، بحضور حشد من الشخصيات اللبنانية الأكاديمية والمهنية وعدد من السياسيين. وتخلّل المناسبة حوار أدارته السيدة دانيال حاتم مع بجاني حول نظرته إلى المستقبل، امتدّ لنحو ساعة، أكّد خلاله أن القيادة الحقيقية تقوم على تحويل الرؤية إلى واقع، وأن مواكبة التحولات المتسارعة تستدعي التعلّم المستمر والقدرة على التكيّف والمبادرة إلى التغيير.ويحمل الكتاب، عنوانًا فرعيًا هو "Leading Through the New Realities"، أي القيادة في ظلّ الوقائع الجديدة. ويطرح مقاربة لأربعة تحديات متزامنة تواجه القادة والمؤسسات: التغيير المستمر، والتحوّل بفعل الذكاء الاصطناعي، والأزمة العالمية في المواهب والكفاءات، ومتطلّبات الاستدامة. ويستند بجاني إلى خبرته في قيادة مجموعة "ماجد الفطيم"، التي امتدّ نشاطها عبر 17 دولة وضمّت فرقًا من 110 جنسيات، ليقدّم رؤيته لبناء الثقة وتنمية القدرات وصناعة قيمة مستدامة في بيئات متقلّبة.وخلال الحوار، أوضح بجاني أن القيادة لا ترتبط بالضرورة بالكاريزما أو بالشخصية السلطوية أو بالقدرة على الخطابة، بل تتطلّب الجمع بين الرؤية والتنفيذ. فامتلاك الأفكار وحده لا يكفي إذا لم يتحوّل إلى نتائج، كما أن إنجاز المهام من دون رؤية لا يصنع قيادة. واعتبر أن لكل إنسان دورًا قياديًا في أسرته وعمله ومجتمعه، وأن نجاح هذا الدور يرتبط بتقديم المصلحة المشتركة على المصلحة الشخصية.وفي مقاربته للواقع اللبناني، دعا بجاني إلى الخروج من الانشغال الدائم بالماضي وانتظار التطورات الخارجية، والتوجّه نحو صياغة مستقبل يمتلك اللبنانيون زمام المبادرة فيه. ورأى أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات وقادة الأعمال، بل في افتقار البلاد إلى البيئة السياسية والاقتصادية والبنية التحتية التي تتيح لهم الإنتاج والنمو. وحمّل القرارات السياسية مسؤولية أساسية عن الانهيار، مشدّدًا على ضرورة دعم الشركات الناشئة وإعطاء الجيل المقبل فرصة فعلية للمساهمة في بناء اقتصاد جديد.وشكّل الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل محورًا أساسيًا في النقاش، إذ توقّع بجاني أن تُحدث التقنيات الجديدة والروبوتات تحولات واسعة في الوظائف والمهن والخدمات. وأشار إلى أن أحدًا لا يستطيع الجزم بشكل سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة، لكن الاتجاه الواضح هو انتقال مزيد من المهام إلى الأنظمة القادرة على تنفيذها بكفاءة وإنتاجية أعلى.وأبدى قلقه على الاقتصادات الصغيرة والضعيفة، محذّرًا من اتّساع الفجوة بينها وبين الدول التي تستثمر في التكنولوجيا وتتبنّاها بسرعة. وأكّد أن الاستفادة من هذه التحولات تتطلّب توفير الكهرباء والاتصالات والإنترنت والخدمات الأساسية والاستقرار، بالتوازي مع الإصلاح والاستثمار. كما نبّه إلى أن تفاوت الوصول إلى التقنيات المتقدمة قد يكرّس أشكالًا جديدة من عدم المساواة بين الدول والمجتمعات.وفي الشأن التعليمي، دعا بجاني إلى إعادة النظر في المناهج وفي وظيفة المدرسة والجامعة، معتبرًا أن نقل المعرفة لم يعد كافيًا في عالم تتوافر فيه المعلومات على نطاق واسع. وشدّد على ضرورة تنمية القدرة على التفكير وإصدار الأحكام واتخاذ القرارات، إلى جانب التعاون والتعلّم المستمر. ولفت إلى أن الخبرة السابقة والشهادة الجامعية لا تكفيان وحدهما لضمان النجاح، ما لم تقترنا بالاستعداد لاكتساب مهارات جديدة ومراجعة الأفكار التي تجاوزتها التحولات.وتناول الحوار أيضًا التحولات في النظام الدولي، حيث رأى بجاني أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها بعض آليات التعاون المتعدد الأطراف لمصلحة العلاقات والتفاوض المباشر بين القوى والدول. واعتبر أن خبرة مجتمعات المنطقة في مواجهة الأزمات قد تمنحها مهارات في التكيّف واتخاذ القرارات في ظروف عدم اليقين، يمكن الإفادة منها عالميًا، من دون التقليل من الأثمان الباهظة لعدم الاستقرار.وخلص بجاني إلى أن الاستعداد للمستقبل يتطلّب التكيّف والتعلّم المستمر والتواصل وتحسين الأداء، مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تتحدّد بما راكمه من معرفة وإنجازات فحسب، بل بقدرته على التعلّم والتجدّد. وهي الفكرة التي يعكسها الكتاب في دعوته إلى تجاوز القواعد القديمة، وتحمّل مسؤولية المشاركة في صناعة ما يأتي. وفيما يلي الحديث الكامل للأستاذ الان بجاني خلال توقيع كتابه NEXT في بيروتحاورته: دانيال حاتمالسؤال: العودة إلى النقطة الأساسية التي نناقشها اليوم، وهي القيادة، فإننا نميل أيضًا إلى الخلط بين القيادة وبعض السمات الشخصية المحددة؛ فمثلًا، قد نربطها بشخصية سلطوية، أو بشخص يتمتع بالكاريزما، أو بشخص صريح وجريء في التعبير عن آرائه، ما التعريف الصحيح للقائد في وقتنا الحاضر من وجهة نظرك؟أرى أن كل شخص قائد، ليست لديّ صيغة تعريفية للقائد بحد ذاته، لكن لديّ تعريف للقيادة، وبال