"يبدأ الإنسان في الحياةعندما يستطيع الحياة خارج نفسه" في نص منسوب لفيكتور هوغو: "أحيانا أتساءل كيف كان "يمكن أن تكون حياتي، لو أتيحت لي فرصة أن أعيش حقّا، بدلا من تضميد جراح أصبت بها ظلما، وحمل أعباء لم تكن لي، والبحث عن إجابات لأسئلة لم أسألها قط". ولقد شكك أحد المواقع في أسلوب الصياغة الذي يتسم بسلاسة العصر الحديث بعيدا عن بلاغة هوغو، لكنني أتجرأ، بناء على نصيحة صديق لي أن أنسبه إلى لبنان شعبا وأرضا ودولة، ذلك أن صيغة 1920 التي استحق بسببها البطريرك الحويك الطوباوية، كانت تعبيرا عن تكامل مثالي جغرافي وديموغرافي، جبلي وساحلي، لكيان كان مهيأ فعلا ليكون أول ديموقراطية ناجحة وعلمانية خارجة من عباءة الحكم العثماني الذي دام طويلا، لكنه يا للأسف سلخ معظم زمانه، بعد ذلك، بعلاج جراح لا يستحقها، وحمل أثقال ليست له، والإجابة عن أسئلة لم يطرحها. رفض البطريرك الحويك أي صيغة فيديرالية مع سوريا رغم نزوع الجنرال غورو إلى ذلك، كما تلافى ضم وادي النصارى- على حدِّ ما يُرْوى- الذي كان من شأنه أن يُكَوِّنَ بُعْدا سكانيا مسيحيا إضافيا، وفضّل عليه تشكيل كيان مكتمل المواصفات المتحضرة للدولة التي تحتاج إلى مدن ومرافئ وسهول، وتنوع في الانتماء. وخلافاً للدساتير العربية كلها، لم ينص دستورنا على دين للدولة، ربما بسبب التوازن الطائفي، وربما أيضا تفاؤلا بأن التركيبة البشرية اللبنانية ستكون بؤرة تفاعل وتقدم، ونموذجا للجوار، لأنها كانت مؤهلة فعلا لذلك، بسبب القاعدة التعليمية الواسعة التي تأسست في القرن السابع عشر بعد انعقاد المجمع اللبناني في سيدة اللويزة برئاسة البطريرك يوسف الرابع حبيش الذي قرر إلزامية التعليم للذكور والإناث وإنشاء المدارس في الأبرشيات والقرى، (يراجع كتاب الدكتور غسان عياش عن المجمع اللبناني) ومن بعدها انتشرت المدارس لتلقين العلوم الحديثة بين سائر فئات الشعب، فبدا لبنان بيئة طيبة لتأسيس الجامعات التي استقطبت أبناء البلاد العربية والتي ما زالت عراقتها تضعها في مقدم جامعات العالم. أعود إلى السؤال: ماذا لو استمرت انطلاقة لبنان على النحو الذي أراده له المؤسسون الأوائل؟ ولماذا لم نعر الانتباه لِرؤْيويّة ميشال شيحا الذي حاول رسم معالم مرنة للدولة الحديثة، دون أن يخفي توجسه العميق من قيام دولة إسرائيل التي شكلت منذ إنشائها بذور تحول التآلف الوطني إلى تناحر مجاني ما زلنا ندفع ثمنه حتى الآن، لأننا بدلا من السير قدما في بناء الدولة العصرية، مستفيدين من التنوع الطائفي، حَوَّلْنا هذا التنوع إلى فِرْقَةٍ، وتسابق على تطييف الوظائف، وعقد الأحلاف مع الخارج والذهاب إلى التسلح المَرَضي، والخروج على القوانين والازدراء بفكرة وحدة السلطة؟ كانت الدول العربية قد توافقت على معاملة لبنان كالأخ الأجدر بالعناية، حتى في مرحلة احتدام الصراع العربي الإسرائيلي، فَصَنَّفَتْهُ جامعة الدول العربية، بناء على طلب الرئيس عبد الناصر، دولة مساندة لا دولة مواجهة، لكن لعبة الأحلاف والتسابق على السلطة، وتَفَشِّي ظاهرة الانقلابات العسكرية التي بدأت في سوريا، جعلت النزعة العروبية الصاعدة عند المسلمين تشكل حذرا متزايدا عند المسيحيين، بما أدى إلى أحداث 1958 التي جرى ترميمها في العهد الشهابي الذي أعلنت خلاله وحدة مصر وسوريا، إذ أسَّس الرئيسان شهاب وعبد الناصر في اجتماع الخيمة الحدودية الشهيرة، قواعد واضحة تضع حدّا للجموح الوحدوي، مع المحافظة على العلاقات الممتازة مع الدولة الجديدة. هنا أعود إلى الفترة التي رافقت إعلان دولة لبنان الكبير، حيث هاجت جماهير طرابلس ضد الفكرة، فاستعان الزعيم عبد الحميد كرامي - كما يروي الصديق توفيق سلطان عن أرشيف أبيه النقيب راشد سلطان- بالزعيم السوري الكبير سعد الله الجابري، الذي صلَّى صلاة الجمعة في المسجد المنصوري الكبير، ثم وقف مخاطبا جموع المصلّين: "لن تزيدوا سوريا عروبة، فكونوا رسل العروبة في لبنان". ذلك هو الدور الذي كان يجدر القيام به بعيدا عن العصبية والتلهف لحرق المراحل، في مقابل دور آخر كان يجدر بالمسيحيين تطويره، خصوصا أن النزعة العروبية قد تَكَوَّنَت أجنَّتُها في رحم كتابات رواد النهضة المسيحيين، ثم أخذت أشكالها التنظيمة بريادة قيادات مسيحية، إضافة إلى الدور التنويري المسيحي الكبير الذي أسهموا به فكرا وصحافة وصناعة في مصر والمهجر. لم يقم المسلمون، يا للأسف، بمهمة رسل العروبة في لبنان، كما لم يشكلوا مع المسيحيين النخبة الديموقراطية العصرية للتبشير بضرورة تدعيم فكرة الدولة الوطنية التي يتساوى فيها المواطنوان أمام القانون، بل راحت انتماءاتهم تتنوع بين حلف بغداد، والصعود الناصري، فتململت لوحة الفسيفساء عن اتساقها، وتنافرت تلاوينها بسبب التعسف القصير النظر، وصارت بيروت مثالا مبكيا لفجيعة انتقال الحياة من السلاسة الطبيعية في شوراع مُسْتَطْرَقَ