" ليبانون ديبايت" - د. رياض أسعد هلال لم تكن الصورة الأكثر تعبيراً عن الانهيار المالي اللبناني هي فقط إقفال المصارف أبوابها أمام المودعين، أو اختفاء القروض من السوق، أو انهيار سعر صرف الليرة. الصورة الأكثر دلالة كانت أكثر عمقاً: لبنانيون عادوا إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج النظام المصرفي. في بلد كان يفاخر لعقود بأنه مركز مالي إقليمي، أصبحت الخزنة المنزلية بديلاً عن الحساب المصرفي، وأصبح الدولار النقدي وسيلة حماية من مؤسسة كان يفترض أن تكون مكان الأمان. هذه المفارقة تختصر جوهر الأزمة: لبنان لم يخسر الأموال فقط، بل خسر الثقة التي تجعل هذه الأموال تعمل داخل الاقتصاد. قبل عام 2019، كانت المصارف اللبنانية تدير ودائع تجاوزت 170 مليار دولار، وكانت تمثل العمود الفقري للنموذج الاقتصادي القائم على جذب الرساميل وتحويلات المغتربين وتمويل القطاع الخاص والدولة. ورغم الاختلالات التي تراكمت في هذا النموذج، بقي القطاع المصرفي لسنوات أحد أبرز عناصر صورة لبنان الاقتصادية. لكن الانهيار المالي قلب المعادلة بالكامل. فالمودع الذي كان يرى في المصرف شريكاً مالياً، أصبح ينظر إليه كمصدر للخطر على مدخراته بعد القيود غير الرسمية على السحوبات وتجميد جزء كبير من الودائع. وتشير تقديرات سابقة إلى أن نحو 10 مليارات دولار قد تكون خرجت من النظام المصرفي واستقرت في المنازل أو خارج الدورة المالية الرسمية، رغم صعوبة قياس هذا الرقم بدقة. لكن هذه الأموال ليست سوى جزء من المشكلة. فلبنان لم ينتقل فقط إلى مرحلة "الدولارات في الخزنات"، بل إلى اقتصاد نقدي واسع أصبح بديلاً عن الوساطة المصرفية. فالدولار النقدي أصبح حاضراً في معظم العمليات اليومية: دفع الرواتب، التجارة، العقارات، الخدمات، والتحويلات. وقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد النقدي شكّل نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022، وهي نسبة تعكس حجم الابتعاد عن النظام المالي التقليدي. ومع استمرار الأزمة وغياب معالجة نهائية لمشكلة الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، تشير تقديرات خبراء واقتصاديين إلى أن الاعتماد على النقد توسع أكثر، وقد يكون تجاوز 55% إلى 60% من حجم النشاط الاقتصادي الفعلي. لكن المشكلة ليست في استخدام النقد بحد ذاته، فالاقتصادات كلها تحتاج إلى السيولة. المشكلة تظهر عندما يتحول النقد من وسيلة دفع إلى بديل دائم عن النظام المالي. فالمال الموجود في المنزل يحمي صاحبه، لكنه لا يمول مصنعاً، ولا يمنح قرضاً لمؤسسة صغيرة، ولا يخلق فرص عمل. الاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على وجود الأموال، بل على قدرة المؤسسات المالية على تحويل الادخار إلى استثمار. وهنا يبدأ السؤال الأكبر: إذا كان المواطن اللبناني فقد ثقته بالمصرف، فلماذا يثق المستثمر الأجنبي بالسوق اللبنانية؟ من هنا قصة مجموعة الحبتور في لبنان تختصر جانباً مهماً من هذه الأزمة. فالحبتور لم يكن مستثمراً عابراً، بل كان من المستثمرين الخليجيين الذين ارتبط حضورهم بلبنان منذ سنوات طويلة، من خلال مشاريع في الفنادق والعقار والقطاعات المرتبطة بالسياحة. لذلك فإن خروج مستثمر بهذا الحجم لا يُقرأ فقط كقرار تجاري يخص شركة، بل كإشارة إلى البيئة الاستثمارية ككل. فالمستثمر لا يسأل فقط عن حجم الأرباح الممكنة، بل عن القدرة على حماية رأس المال. يسأل عن القضاء، وتحويل الأموال، واستقرار القوانين، وقدرة الدولة على فرض قواعد واضحة. وهذه الأسئلة لا تخص الحبتور وحده، بل كل رأس مال يفكر بدخول لبنان. ولهذا فإن زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي إلى لبنان لم تكن اختباراً لحجم المشاريع المحتملة فقط، بل لمدى قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين. وقد أثار الصحفي نضال السبع انتقادات حول طريقة التعاطي الرسمي مع الوفد، معتبراً أن الرسالة التي وصلت إلى المستثمرين لم تكن بمستوى أهمية الزيارة. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الفرص، بل عن دولة تملك رؤية واضحة ومؤسسات قادرة على حماية الاستثمارات وضمان استمراريتها. من هنا يظهر السؤال: هل يمكن أن تكون عودة المصارف الأجنبية، وخصوصاً الخليجية، جزءاً من عملية الإنقاذ؟ من حيث المبدأ، نعم. فالمصرف الأجنبي لا يأتي فقط برأس المال، بل يأتي أيضاً بمعايير حوكمة أكثر صرامة، وشبكات مراسلين دولية، وخبرة في إدارة المخاطر، وقدرة على إعادة ربط الاقتصاد اللبناني بالنظام المالي العالمي. كما أن وجود مصارف خليجية أو دولية قد يشكل إشارة إيجابية للمستثمرين، لأن المؤسسات العالمية تراقب عادة البيئة المالية قبل اتخاذ قرارات الدخول. لكن المصارف الأجنبية ليست حلاً سحرياً. فأي مصرف دولي سيدرس قبل الدخول إلى لبنان مجموعة أسئلة أساسية: ماذا حدث للودائع القديمة؟ كيف ستوزع الخسائر المالية؟ هل ستتم إعادة هيكلة مصرف لبنان؟ هل ستصبح حركة الأموال أكثر حرية؟ وهل تغيرت قواعد اللعبة الس