تتحرك فرنسا نحو توسيع دورها كقوة نووية أوروبية، في محاولة لتعزيز الردع في مواجهة روسيا، وسط تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على ضمان أمن حلفائها في القارة. وتقوم المبادرة، التي أطلق عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اسم "الردع المتقدم"، على نشر مقاتلات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في أنحاء أوروبا، إلى جانب تعزيز البنية التحتية وأنظمة الاتصالات والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في خطوة تهدف إلى وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام معادلة استراتيجية أكثر تعقيدًا. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، تنسّق فرنسا مع عدد من حلفائها الأوروبيين لتوسيع دورها النووي، على خلفية تصاعد المخاوف من هجمات روسية محتملة، وتزايد الشكوك بشأن مدى استعداد واشنطن للمخاطرة بالدخول في مواجهة نووية دفاعًا عن حلفائها. وتسعى باريس، من خلال المبادرة، إلى خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى موسكو، في وقت يمتلك فيه بوتين أحد أكبر مخزونات الأسلحة النووية في العالم، ويواصل التلويح بالخيار النووي منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ووفقًا لتقرير ياروسلاف تروفيموف، انضمت 10 دول أوروبية إلى المبادرة الفرنسية بدرجات متفاوتة من المشاركة، منذ أن أعلن ماكرون عنها في آذار الماضي. وتشمل القائمة بريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وبولندا واليونان وفنلندا والنرويج والسويد والدنمارك. في المقابل، بقيت الدول البلطيقية الثلاث، التي تُعد الأكثر عرضة للضغوط الروسية، خارج هذه المجموعة، فيما رفضت إيطاليا الانضمام إليها. وتتيح العقيدة النووية الفرنسية استخدام السلاح النووي عندما تكون "المصالح الحيوية" للأمة على المحك. وكان ماكرون قد أوضح مؤخرًا أن هذه المصالح لا تتوقف عند حدود فرنسا، بل تشمل بُعدًا أوروبيًا واضحًا. وتشير التقديرات إلى أن فرنسا تمتلك نحو 290 رأسًا نوويًا عملياتيًا، لكنها لا تزال تحافظ على الغموض بشأن النطاق الجغرافي الدقيق لمصالحها الحيوية، من دون تقديم ضمانات صريحة لحلفائها الأوروبيين بشأن استخدام ترسانتها النووية دفاعًا عنهم. وفي هذا السياق، أكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أنه لا توجد نية لنشر أسلحة نووية على الأراضي الفنلندية في أوقات السلم، لكنه شدد على أن المبادرة الفرنسية تضع روسيا أمام معضلة استراتيجية كبيرة. ولا تُعد المخاوف الأوروبية بشأن مدى استعداد واشنطن للمخاطرة بحرب نووية من أجل الدفاع عن حلفائها جديدة. فهذه الشكوك تعود إلى ستينيات القرن الماضي، عندما عمل الرئيس الفرنسي شارل ديغول على تطوير قوة ردع نووية مستقلة، بعدما لم يحصل من الرئيس الأميركي جون كينيدي على استجابة اعتبرها كافية لضمان حماية باريس. إلا أن هذه المخاوف ازدادت في الفترة الأخيرة، مع التقارب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبوتين، والدفع نحو صفقات في قطاع الطاقة، إلى جانب ممارسة ضغوط على أوكرانيا. وعلى المستوى العسكري، يختلف الردع الذي تسعى فرنسا إلى بنائه عن منظومة القنابل النووية الأميركية من طراز "B-61"، التي يصفها التقرير بأنها قديمة. فصواريخ الكروز النووية الفرنسية من طراز "ASMP-A" مصممة لاستهداف المدن الروسية الرئيسية، بما يوفر، وفق التحليل الوارد في التقرير، مستوى مختلفًا من الردع. لكن مستقبل المبادرة لا يرتبط بالقدرات العسكرية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتوازنات السياسية داخل فرنسا. فاحتمال فوز مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، في الانتخابات الرئاسية المقبلة قد يثير تساؤلات بشأن استمرارية السياسة النووية الفرنسية ومصداقية الردع الذي تسعى باريس إلى توفيره، فضلًا عن انعكاساته على شعور الحلفاء الأوروبيين بالأمن. وبين السعي إلى بناء مظلة ردع أوروبية أكثر استقلالية والاعتماد المستمر على التوازنات الدولية، تحاول فرنسا إعادة رسم موقعها النووي في القارة، في خطوة قد تدفع روسيا إلى حسابات جديدة، لكنها تظل مرتبطة بمدى قدرة أوروبا على الحفاظ على وحدة موقفها السياسي والاستراتيجي.