استضاف "منتدى شملان الثقافي" العلامة السيد علي فضل الله، في محاضرة بعنوان "الوحدة الوطنية بين العقبات والحلول"، أقيمت في منزل رئيس المنتدى الصحافي نبيل المقدم، في حضور فاعليات ثقافية وبلدية ودينية واجتماعية وحشد من المهتمين. واستُهلت المحاضرة، التي أدارها الصحافي كمال ذبيان، بكلمة ترحيبية ألقاها الدكتور نبيل سرور باسم المنتدى، قبل أن يتحدث فضل الله عن العوامل التي تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، معتبرًا أن لبنان "لم يبنِ حتى الآن وطنًا، بل ما زلنا تجمعًا لطوائف ومذاهب"، لكل منها وجهتها وحساباتها وارتباطاتها، ما يؤدي إلى الانقسام عند كل مفصل أساسي. وشدد على أن الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التنوع الذي قام عليه لبنان أو تخلي المواطن عن طائفته ومذهبه وحقه في الاختلاف، بل أن يحتكم اللبنانيون إلى "دولة واحدة وقانون واحد"، وألا يتحول الاختلاف إلى عداء وصراع أو محاصصة وتقاسم لمقدرات الوطن. ورأى أن أول أبواب تعزيز الوحدة الداخلية هو الفصل بين الطائفة والطائفية، موضحًا أن الطائفة انتماء ديني واجتماعي وثقافي، فيما تقوم الطائفية على توظيف هذا الانتماء في توزيع السلطة والنفوذ والموارد والوظائف وتكريس التبعية السياسية. ودعا فضل الله إلى "إلغاء الطائفية من النفوس والنصوص" والانتقال إلى دولة المواطنة، محذرًا في الوقت نفسه من التسرع في إلغاء الضمانات الطائفية قبل بناء دولة قوية وعادلة، لما قد يسببه ذلك من زيادة مخاوف الطوائف وهواجسها. وتوقف عند آثار الحرب في الذاكرة السياسية والاجتماعية، معتبرًا أن اللبنانيين لا يملكون رؤية مشتركة لتاريخهم الحديث، وداعيًا إلى قراءة موضوعية تنقلهم "من ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة العبرة"، وصولًا إلى كتاب موحد للتربية الوطنية وتاريخ لبنان يساهم في بناء هوية وطنية مشتركة. كما حذر من ضعف ثقة المواطن بالدولة عندما يُطبق القانون على الضعيف دون القوي، وترتبط الوظائف بالولاء والواسطة والمحاصصة، أو تتعطل المؤسسات ويعجز القضاء عن أداء دوره باستقلال وفاعلية، مشددًا على أهمية الإصلاح الإداري والقضائي. وفي ملف السلاح، قال فضل الله إنه "لا يمكن الحديث عن قيام دولة من دون التوقف عند قضية السلاح"، معتبرًا أنه لا ينبغي معالجة هذا الملف بالتخوين أو بالتفريط بالبلد، بل بتفهم الأسباب التي دفعت لبنانيين من مختلف انتماءاتهم إلى السعي لامتلاك السلاح دفاعًا عن وجودهم في مواجهة المخاطر الداخلية أو الخارجية. ورأى أن معالجة السلاح المتعلق بمواجهة إسرائيل لا يمكن أن تتم بإغفال مخاطرها على لبنان وصيغته، أو من دون بناء قدرات الجيش اللبناني وجعله قادرًا على الدفاع عن حدود الوطن، والاستفادة من كل القدرات التي تساعده على أداء دوره ضمن استراتيجية أمن وطني تحدد آليات الاستفادة منها. وتطرق فضل الله إلى التدخلات الخارجية، محذرًا من تحول كل فريق أو طائفة أو مذهب إلى امتداد لجهات خارجية بما ينقل خلافات الدول إلى الداخل اللبناني، ومشددًا على الفرق بين العلاقات الخارجية التي تخدم الوطن وتقوي حضوره، وتلك التي تُسخّر لمصلحة الأطراف الخارجية أو تستخدم للتعدي على الآخرين. ودعا كذلك إلى معالجة الأزمة الاقتصادية، معتبرًا أن ندرة فرص العمل والتنافس على الموارد قد يحولان الأزمة إلى "وقود للانقسام الطائفي"، كما حذر من الفوضى في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وانتشار الشائعات والمقاطع المجتزأة والخطاب التحريضي، داعيًا إلى التثقيف الإعلامي ومحاصرة خطاب الكراهية. وأكد فضل الله أن الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الدولة والأحزاب والقيادات والمؤسسات الدينية والتربوية وحدها، بل مسؤولية كل مواطن، داعيًا إلى تحويل التنوع "من سبب للخوف إلى مصدر قوة، ومن خطوط تماس إلى جسور تواصل". وختم بالدعوة إلى جعل الوحدة الوطنية "مشروعًا يوميًا، لا شعارًا موسميًا للاستهلاك"، مؤكدًا أن "لبنان لا يُبنى بالخوف من الآخر، بل بالثقة به؛ ولا يُحمى بالتقوقع، بل بالتضامن؛ ولا ينهض بالانقسام، بل بتعاون أبنائه".