منذ عقود، جعل لبنان الطائفة إطاراً لتنظيم السلطة والمصالح. والمقصود بالطائفة هنا ليس جماعةً من المؤمنين تجمعهم معتقدات دينية مشتركة، بل بنية اجتماعية وسياسية تتشكّل حول زعامات ومؤسسات خاصة بها، ويؤدّي رجال الدين فيها دوراً سياسياً بارزاً. إلّا أنّ الطائفة ليست كتلةً متجانسةً من المصالح؛ ففي داخلها أغنياء وفقراء، وعمال وأرباب عمل، ومصرفيون ومودعون... فيجد الزعيم نفسه أمام مصالح متعارضة يصعب اختزالها في موقف واحد، ويصبح اللّاقرار الخيار الأكثر أماناً للحفاظ على توازنات طائفته. لكن الحفاظ على الزعامة يتطلّب تأمين الولاءات؛ ومع استحالة تلبية مصالح الجميع، يصبح توزيع المنافع من موارد الدولة أداةً ضرورية للحفاظ على النفوذ. ويترافق معه خطاب الخوف من الآخر لتعزيز الالتفاف حول الطائفة، والاستناد إلى قوى خارجية طلباً للدعم والحماية. هنا تكمن المفارقة: ما يُقدَّم بوصفه حمايةً للطوائف يصبح عائقاً أمام قيام الدولة. فالدولة، على نقيض الطوائف، هي الأداة القادرة على اتخاذ القرار، والفصل بين الداخل والخارج، ووضع السياسات العامة، وإدارة المصالح المتعارضة على أساس المواطنة. فهل تستطيع الفدرالية أن تبني دولة؟يقوم النظام الفدرالي على توزيع الصلاحيات بين أقاليم لها حكوماتها ومواردها، وسلطة اتحادية تمثّل جميع الأقاليم وتدير الشؤون المشتركة. وإذا قُسّمت الأقاليم على أساس طائفي، فسيصبح زعيم الطائفة حاكماً للإقليم. وما دامت المشكلة، كما سبق أن شرحنا، تكمن في تضارب المصالح داخل الطائفة الواحدة وعجز زعمائها عن التوفيق بينها، فهل سيتمكّن زعماء الأقاليم من إدارة هذه المصالح داخل أقاليمهم، أم أنّ الفدرالية ستنقل المشكلة إلى مستوى الإقليم بدلاً من حلّها؟ولا تتوقّف الإشكالية عند إدارة المصالح داخل الأقاليم، بل تشمل أيضاً القضايا التي تبقى من صلاحيات السلطة الاتحادية، كالدفاع والسياسة الخارجية والسياسة النقدية والمالية. فقد أظهرت تجربة الحكومات اللبنانية منذ اتفاق الطائف كيف تحوّل حقّ الفيتو إلى أداة لتعطيل القرار بين القوى الطائفية نفسها. لذلك، فإنّ الاستشهاد بتجارب الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وغيرها يتجاهل أنّ نجاح الفدرالية يتطلّب وجود سلطة اتحادية قادرة على إدارة هذه الملفات، والتي تشكّل أساس المشكلة في لبنان.ولا يقتصر السؤال على توزيع الصلاحيات السياسية، إذ يعوّل المطالبون بالفدرالية على جذب الاستثمارات الخارجية إلى أقاليمهم، معتبرين أنّ السلاح خارج الدولة يحدّ من تدفّقها. لكنّ الاستثمارات التي دخلت إلى لبنان ارتبطت بمصالح سياسية، إذ دعمت دولٌ طوائفَ معيّنة للحدّ من نفوذ طوائف أخرى ودول منافسة. فقد استقطب لبنان في الوقت نفسه دعماً سياسياً ومالياً من إيران والولايات المتحدة في سياق الصراع الإقليمي، ما نقل جانباً من هذا الصراع إلى الداخل اللبناني. إلّا أنّ فصل الطوائف في أقاليم مستقلّة سيعزّز نفوذ كلّ طائفة داخل إقليمها، ما قد يؤدّي إلى تراجع دوافع الاستثمار السياسي بدلاً من زيادتها، خصوصاً أنّ الدول الداعمة نفسها تواجه أزمات اقتصادية ناجمة عن الحروب، ما قد يُخرج لبنان من أولوياتها. وإذا استمرّ تدفّق الدعم، فإنّ رهان الطوائف على الخارج لطالما تحوّل إلى ارتهان له، أدّى في كثير من الأحيان إلى نزاعات بينها. أمّا الاستثمارات ذات الدوافع الاقتصادية، فلا يكفي لجذبها تغيير شكل النظام، بل يتطلّب الأمر بناء اقتصاد منتج، وتوفير بنية تحتية ملائمة ومؤسسات موثوقة، ووضع سياسات اقتصادية واضحة. وهذه أمور تحتاج إلى تعاون بين مختلف الأقاليم.وكما في موضوع الاستثمارات، يعوّل المطالبون بالفدرالية على تعزيز السياحة في مناطقهم، التي تضرّرت بفعل ما يصفونه بـ"حروب الآخرين". لكنّ الاعتماد على السياحة وحدها لا يضمن اقتصاداً مستقرّاً. فهذا القطاع من أكثر القطاعات تأثّراً بالتوترات الأمنية والسياسية، سواء داخل لبنان أو في محيطه الإقليمي. وتُظهر التجارب الإقليمية أنّ قوة الدول في منطقة مضطربة سياسياً كمنطقتنا لا تقوم على السياحة، بل على الجمع بين اقتصاد منتج، ومؤسسات فاعلة، وقدرة دفاعية وطنية. وهذه الشروط لا يوفّرها تغيير شكل النظام بحدّ ذاته، بل تتطلّب دولة قادرة على تحديد أولويات مشتركة وتنفيذها.إلى ذلك، يتطلّب استقرار النظام الفدرالي آليات لتوزيع الموارد وتحقيق التضامن المالي بين الأقاليم الأكثر ثراءً والأقل ثراءً. وهذا تحدٍّ إضافي في لبنان، حيث يتركّز جزء كبير من النشاط الاقتصادي والخدمات والمؤسسات والإيرادات الضريبية والمرافق العامة في بيروت وضواحيها، وهي منطقة شديدة التنوع الطائفي. فكيف يمكن رسم حدود واضحة بين الأقاليم في بلد تتداخل فيه الطوائف والسكان والمصالح الاقتصادية؟إذا كان الهدف من الفدرالية تثبيت الانقسام الطائفي جغرافياً، فإنها ستعزّز نفوذ زعماء الطوائف في مناطقهم،