في وقت تسعى فيه مارين لوبان إلى توسيع قاعدتها الانتخابية والتخلص من الصورة العنصرية التي تلاحق حزب "التجمع الوطني" منذ سنوات، أعاد مؤتمر انتخابي في مدينة أورليان الفرنسية فتح ملفات قديمة وحساسة، بعدما أُخرج ناشطون يهود بالقوة من القاعة خلال احتجاجهم على ما وصفوه بمعاداة السامية والعنصرية داخل الحزب، فيما وثقت الكاميرات شخصًا يؤدي حركة بدت شبيهة بالتحية النازية. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون، شهد مؤتمر إطلاق حملة "التجمع الوطني"، أمس الأحد، مواجهة حادة بعدما قاطع ناشطون يهود كلمة رئيس الحزب جوردان بارديلا، احتجاجًا على ما اعتبروه مظاهر معاداة للسامية والعنصرية في صفوفه. وشارك في التحرك 4 ناشطين من اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا "UEJF"، رجلان وامرأتان، رفعوا لافتة كتب عليها: "إعادة انتخاب بارديلا: العنصرية ومعاداة السامية لا تزعجان التجمع الوطني، بل على العكس". وعلى الفور، بدأ مشاركون في المؤتمر بالصراخ في وجههم مطالبين بإخراجهم، قبل أن يتدخل عناصر الأمن ويبعدوهم بالقوة عن القاعة. وقال الاتحاد إن ناشطيه "تعرضوا للاعتداء والخنق وأُخرجوا بعنف"، معلنًا عزمه تقديم شكوى لدى الشرطة، فيما ذكرت صحيفة "La République du Centre" المحلية أن أحد الناشطين كان ينزف من أنفه. وأمام الفوضى داخل القاعة، أوقف بارديلا، الذي أعيد انتخابه رئيسًا للحزب بنسبة 98.98% من الأصوات، كلمته ودعا أنصاره إلى الهدوء. وقال: "أطلب منكم التوقف. لا تمنحوا دعاية لليسار المتطرف الذي يكره الديمقراطية"، قبل أن يدعو الحاضرين إلى إنشاد النشيد الوطني الفرنسي "لا مارسييز". واتهم بارديلا لاحقًا الناشطين بمحاولة تعطيل المؤتمر، معتبرًا أن "اليسار المتطرف يشكل خطرًا حقيقيًا على الديمقراطية". لكن الحادثة أخذت منحى أكثر حساسية بعدما نشرت شبكة التلفزيون البرلمانية الفرنسية "LCP" تسجيلًا يظهر شخصًا وسط الحضور وهو يؤدي حركة شبيهة بالتحية النازية أثناء إخراج الناشطين، قبل أن تقوم امرأة كانت تقف بجانبه بخفض يده. وردّ الحزب على المشهد بالقول: "إذا كانت هذه تحية نازية، فنحن ندينها بالكامل. لو رأيناه لكنا أخرجناه. وإذا كان عضوًا في الحزب، فسيُعاقب". وتأتي الواقعة بالتزامن مع تقارير نشرها موقع التحقيقات "Mediapart" بشأن كتابات وُصفت بأنها معادية للسامية ونُسبت إلى بارديلا وتعود إلى عام 2013، وهو ما ينفيه رئيس "التجمع الوطني". وتكتسب الحادثة أهمية إضافية في ظل مساعي لوبان لتقديم نفسها كقائدة جامعة قادرة على إعادة بناء فرنسا، بعد أسابيع من الاضطرابات والغضب الشعبي بسبب الوضع الاقتصادي، والتي بلغت ذروتها السبت الماضي مع نزول أكثر من 400 ألف شخص إلى الشوارع احتجاجًا على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة. ورغم أن غالبية التظاهرات كانت سلمية، فإنها تحولت في عدد من المناطق إلى مواجهات مع الشرطة. وخلال كلمتها في مؤتمر أورليان، المدينة المعروفة تاريخيًا بأنها المكان الذي كسرت فيه جان دارك الحصار الإنكليزي عام 1429، حاولت لوبان تجاوز الانقسامات السياسية والتوجه إلى ناخبين من خارج قاعدتها التقليدية، انطلاقًا من إدراكها أنها تحتاج إلى دعم أوسع للفوز بالرئاسة، بعدما خسرت أمام إيمانويل ماكرون في الجولة الثانية من انتخابات 2017 و2022. وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، رسمت لوبان صورة لما وصفته بتجدد وطني رأى بعض المعلقين أنه يذكّر بحركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الولايات المتحدة. وتعهدت لوبان برفع أجور العاملين وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي ومنح إعفاءات ضريبية للشركات، بالتوازي مع تبني سياسة "عدم التسامح مطلقًا" مع مثيري الشغب ومخالفي القانون. وقالت: "من يستطيع القول إن سيادة القانون قائمة عندما تقوم حشود بتخريب المباني وإحراقها؟". وفي محاولة لإظهار رغبتها في تجاوز الاصطفافات السياسية التقليدية، أعلنت لوبان أنها ستتنحى عن رئاسة الكتلة البرلمانية لحزبها، وستشكل حكومة وحدة وطنية يكون فيها بارديلا رئيسًا للوزراء. وقالت: "أنا لست جناحًا يمينيًا ولا جناحًا يساريًا"، مستشهدة بمثل هندي: "أنا الطائر". ويمنح استطلاع حديث لوبان نحو 33% من التأييد في الجولة الأولى من الانتخابات، إلا أنها لا تزال شخصية مثيرة للجدل، فيما تتداخل معركتها السياسية مع ملف قضائي قد يلقي بثقله على حملتها الرئاسية. فقد تجد لوبان نفسها تخوض الحملة وهي تضع سوارًا إلكترونيًا، بعدما أبقت محكمة في تموز الماضي على إدانتها بالاستخدام غير القانوني لأموال الاتحاد الأوروبي، في حين أن العقوبة معلقة حاليًا بانتظار البت في الاستئناف. وفي المقابل، لا يستطيع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الترشح مجددًا بسبب الحد الأقصى المسموح به وهو ولايتان رئاسيتان. وبين سعي لوبان إلى تقديم نفسها كمرشحة تتجاوز اليمين واليسار، والمشاهد التي