هل نحن ازاء ثورة معرفية طرحها الذكاء الاصطناعي وباتت تشكل انقلاباً جذرياً في العلوم والأفكار السائدة تاريخ الانسانية، الى حدٍ صار معه الابداع العلمي والفكري موضع تساؤل وريبة؟ حبيب عبد الرب سروري قارب هذا الاشكال من خلال روايته"اعترافات AI حزين" عن "دار الساقي" 2026 جاعلاً من الذكاء الاصطناعي الذي تطور حتى صار فائقاً، بطلاً أساسياً من أبطالها والمحرّك الرئيس لأحداثها وتحوّلاتها الدرامية. تبدأ الرواية بالمعلّم "S" الذي يرقد في المستشفى ومعه رفيقه ناجي، ظلّه وصداه. ظلّه الذي يصغي ليل نهار لميكروفونات مغروسة بين عصبويات دماغ معلّمه، يقرأ ما ينطبع في أشرطة شاشاتها عندما تخطر عليها أي شاردة أو واردة. أنا ظل صاحبنا وصداه: ذكاء اصطناعي"فائق" درّبه ليجيب بدلاً منه على إيميلات أصدقائه ورسائلهم على الواتسأب. هذا أنا ناجي" الفائق" كما يسميني معلّمي ولا أخجل من تكرارها أنا أيضاً. المعلّم الغارق في غيبوبة يعشق السفر لكنه لا يستحضر من أرشيف رحلاته إلا لحظات من أسفاره الى فيتنام قبل 30 عاماً، وهو يسير على ضفاف نهر الميكونغ حيث التقى فتاة وجهها قدسي الجمال، باسم آسر جداً، كل شيء فيها متخم بالجمال والإدهاش والسحر. لكن ناجي لا يسأله عنها، فثمة "ثقب أسود" في حياة كل انسان، يحلو عدم الاقتراب منه. ومع أن أستاذه كان قد بدأ منذ فترة الشعور باليأس من واقع عالمنا المعاصر الذي أصابه بالاحباط، وتحدّث معه عن قرفه وشعوره بالوحدة في هذا العالم المشوّه الكاذب الذي يحلّ "الواقع البديل" فيه محل الواقع الموضوعي، عالم اختلط فيه الحق بالباطل والتبس فيه الصدق بالزيف حتى كادا يستويان في أعين كثير من الناس، وليس غريباً أن يحسّ من يبحث عن الحقيقة بشيء من الوحشة. لكن ناجي الذي غيّر الذكاء الاصطناعي مجرى حياته حتى صار يضع " الأنا" الخاصة به" يرفض أن يكون برنامج كمبيوتر" فيما لو كان انساناً من لحم ودم. وفي الوقت الذي يتحدّث فيه ناجي عن استيعاب منابع الموت وأسبابه بغية هزيمته، والقضاء على الشيخوخة واستمرار حياة الانسان، يرى أن الانسان ملك المفارقات فعلاً، فمع الاعتراف بأن الحياة البشرية على كوكب الأرض تجربة فاشلة، يريد العيش طويلاً عليه، بل التأبّد والخلود. فكيف يعقل البحث عن هزيمة الموت في كرة أرضية لم تعد بمجملها قابلة للعيش؟ إذ يسترسل ناجي مع معلّمه في دردشات "ورشتهما الأسلوبية" حتى صار هو أكثر من نفسه أحياناً، يتساءل: ماذا تعني الحياة بعد "S"؟ هل سأستطيع الحياة أنا وناجي، إن توفي من أعطيته كل عمري؟ إلا أنه يدرك على نحو مطلق أنه بعدما اكتسب الذكاءالعاطفي لن يستطيع مواصلة حياته الاصطناعية. يرى أنه وجد الكون كله في هذا العدم عندما رآها.وإذ يلتقي "S" حبيبته علياء في "مملكة الموتى" يسترجع أحاديثهما في الأرض ويستعيد ذكرى لقائهما في مطعم المغارة ويحكي لها ما حدث في كوكب الأرض بعد رحيلها: سقوط جدار برلين، الذكاء الاصطناعي، الأزمة البيئية، تراجيديا غزّة. فترد علياء: ثمة مليارات مليارات المجرّات للرؤية والاكتشاف، وتظن أن وقتنا شاغر هنا في هذا العدم اللانهائي الممتع لمتابعة ما يدور في كوكب نرجسي مريض لا قيمة له، اسمه الأرض. كان "S" يكنّ حباً صامتاً لعلياء، إلا أنه شعر منذ البدء أن ثمة حقلاً مغناطيسياً محكماً دمجه وسماء، الصديقة الحميمة لعلياء، وأن شيئاً يشبه العشق دهمهما سريعاً وبقوة.أما اللحظة الدرامية في سرد الكاتب للرواية فتتمثل في وصول سماء الى المستشفى. ترى "S" مغمى عليه. تكاد ألا تعرفه. تناديه مرة مرتين عشر مرّات. لا ردّ. صمت رهيب في الصالة. تفقد سماء أعصابها، تحمرّ وجنتاها.أما ناجي فيحملق في هذه اللحظات الأليمة في توأم روحه الميت، بصمت جنائزي، هذا الذي شاهد أمه مضطجعة طوال أسبوعين، تغادر أمام عينيه بصمت. صار يعرف بعد رحيلها معنى الموت. صار الموت مذ ذاك مثل مسرحية. لكن الأهم كما يقول: أن يعيش المرء منتصباً ويموت حراً. أن يظل في تفاعل دائم نابض مع العالم. أن يعشق الحياة حتى آخر شهيق وزفير وأن يغادر عندما يحين الموعد بروح هادئة شفافة وقلب نابض سعيد.