آخر ما كان يعتقده الإيرانيون أن ينضم الباكستانيون إلى الولايات المتحدة، أو أن يتخلى المصريون، مبدئياً، عن ترددهم حيال استخدام القوة العسكرية خارج حدود بلادهم، وهي فكرة نبذتها القاهرة خلال الخمسين عاماً الماضية، ما خلا مرة واحدة إبان حرب تحرير الكويت سنة 1991. لكن دعونا من قادة الحرس الثوري الإيراني، فأمامهم أيام صعبة، والأرجح أن يزيدوها صعوبة، سواء على شعبهم أو على دول المنطقة، بإصرارهم على مناقضة المنطق واللباقة، و"تعرية العقل من الاحترام المتوجب له.. والحس السليم من الشرف المقرون به". ولنيمم وجهنا شطر بلاد الشام، حيث تدور لعبة صغرى على هامش اللعبة الكبرى حول إيران، فما الذي جرى وسيجري؟ اختارت دمشق دعم الدولة اللبنانية كي تسير في طريق حصر السلاح بقواها الذاتية. رأت الحكومة السورية، ومعها الرياض وأنقرة، في هذه المقاربة حلاً لمعضلات عديدة تؤرقها جميعاً؛ فاتخاذ الحكومة اللبنانية المبادرة بشأن هذه القضية من شأنه قطع الطريق على خيار الاستعانة بسوريا لنزع سلاح حزب الله، والذي جاهر به الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصيف الماضي. كما أن قيام لبنان بواجباته في هذا المضمار يقطع الطريق أمام العدوان الإسرائيلي، ويضعف من فعالية النفوذ الإيراني، باسم الشرعية اللبنانية. اعتقدت تلك العواصم أن التدخل السوري سيناريو محفوف بالمخاطر. فأولاً، قد يزعزع الاستقرار الهش في سوريا الخارجة من حرب دامت أربع عشرة سنة، لأن الحزب وإيران وحلفاءهما العراقيين قد يردون بتفجير الوضع الداخلي السوري، أو مهاجمة الأراضي السورية من الشرق والغرب. ثانياً، سيعيد الحل السوري تأطير الحرب الجارية في المنطقة من حرب أميركية إسرائيلية إيرانية إلى نزاع مذهبي بين السنة والشيعة، تتواطأ فيه دمشق مع إسرائيل للاعتداء على أحد المكونات اللبنانية، بما يصب في صالح الجهود التي يبذلها حزب الله وإيران لشد عصب الشيعة في لبنان والعالم الإسلامي حولهما. ثالثاً، ستنفذ تل أبيب من ثنايا التدخل السوري ضد حزب الله لتوسع احتلالها جنوبي لبنان، بذريعة ضمان أمنها من التمدد السوري واحترام "خطوطها الحمراء". أخيراً، ستقايض إسرائيل موافقتها على التمدد السوري نحو منطقة البقاع والعاصمة اللبنانية بيروت بترسيخ احتلالها للأراضي السورية التي اجتاحتها بعد سقوط نظام الأسد، وتفرض نفسها اللاعب الأول في تقرير مصير سوريا الجنوبية، التي تنساب من خلالها الممرات الواصلة بين الخليج العربي وشرق البحر الأبيض المتوسط. لم يتجاوب الرئيس اللبناني جوزاف عون مع المقاربة السورية المدعومة من قبل الرياض وأنقرة. عوضاً عن ذلك، اختار عون إمساك العصا من المنتصف عبر مقاربة جمعت بين التفاوض المباشر مع تل أبيب حول إنهاء الحرب في جنوب لبنان، والضغط على حزب الله من دون الوصول إلى حد المساس بسلاحه ووضعيته على الساحة اللبنانية. ماطل عون، أيضاً، في التجاوب مع عروض دمشق للتنسيق الأمني والعسكري. وعندما تحرك نحو التعاون، جاء تحركه متأخراً وكاستجابة لضغط فرنسي أو سعودي، وبخطوات حذرة ومحدودة للغاية. شكت دمشق في سلوك عون، وخشيت أن يكون وراءه موقفه القديم من "جبهة النصرة" سلف "هيئة تحرير الشام" التي قادها أحمد الشرع في معركة "ردع العدوان" لإسقاط نظام الأسد، أو تخوفه من تهديد سوري لميزان القوى الرهيف في لبنان. بدورها، اشتبهت دوائر إقليمية بانخراط عون، بشكل متزايد، في ركاب الاستراتيجية الإماراتية الإقليمية. تدخلت أبوظبي لدعم عون كي تساعده على الصمود في وجه الضغوط السورية والسعودية، خشية أن يؤدي قبوله بالمقاربة السورية إلى زيادة نفوذ دمشق وأنقرة والرياض داخل لبنان، من جهة، وحسم موقع الحكم اللبناني ضمن المحور السوري التركي السعودي، من جهة أخرى. ومن النافل القول إن تحقق هذا السيناريو سيؤدي إلى عزلة إماراتية تامة عن بلاد الأرز، وبذلك تخسر أبوظبي آخر موطئ قدم لها في بلاد الشام، بعد أن خسرت دورها على الساحة السورية بسقوط نظام الأسد. من دون أن يقصد، صبت ممانعة عون للمقاربة السورية في طاحونة السياسة الإسرائيلية أيضاً؛ فتلكؤ السلطات اللبنانية في عملية حصر السلاح يدفع واشنطن إلى اعتماد الحل الإقليمي في التعامل مع حزب الله، وعندها تقطف إسرائيل ثمار استراتيجيتها المعقدة. فإسرائيل تعارض التدخل العسكري السوري في لبنان إلا إذا كان خاضعاً لتوجهاتها وضمن المسار الذي تحدده، وهي لا تريد لهذا التدخل أن يحطم حزب الله فحسب، بل أن يضعف دمشق أيضاً، ويجعلها أسيرة للاستراتيجية الإسرائيلية، ويبعدها عن حليفتيها الإقليميتين: السعودية وتركيا. يتطلع المسؤولون الإسرائيليون إلى أن تؤدي مشاركة سوريا في قتال حزب الله إلى تقليص التضحيات التي يتوجب على جنود الجيش الإسرائيلي بذلها لتحقيق هذا الهدف، من جهة، كما تتيح لهم تلك المشاركة، من جهة أخرى، ترسيخ احتلالهم للمناطق الواقعة جنوب نه