بين الإصرار على مواصلة التعليم تحت القصف وقرارات تقليص الشعب ودمج الصفوف، تواجه المدارس الرسمية في الجنوب تحديًا جديدًا يهدّد انتظام عامها الدراسي. فبعد جهود لإعادة الطلاب إلى مقاعدهم وتثبيت الجداول، تبرز مخاوف من أن تؤدي الإجراءات المستجدة إلى اكتظاظ الغرف وإرباك الهيئات التعليمية وتحميل الأهالي أعباء إضافية، في منطقة ما زالت تعاني تداعيات الحرب والنزوح. وفي هذا السياق، طالبت النائبة عناية عزالدين وزارة التربية والتعليم العالي بتعليق إجراءات تقليص الشعب ودمج الصفوف في المدارس والثانويات الرسمية في الجنوب، إلى حين إجراء مراجعة تربوية وإدارية ميدانية شاملة، محذّرة من أن تطبيقها بعد انطلاق العام الدراسي يهدّد استقرار التعليم ويضاعف الأعباء على الطلاب والأهالي والأساتذة. وفي تصريح عقب اجتماع لجنة المرأة والطفل، شدّدت عزالدين على أن "ترشيد الإنفاق لا ينبغي أن يأتي على حساب جودة التعليم وسلامة البيئة الصفية واستقرار التعليم الرسمي، ولا سيما في الجنوب الذي ما زال يعمل على استعادة عافيته التربوية". وأشارت إلى أن إدارات المدارس والهيئات التعليمية والأهالي بذلوا جهودًا كبيرة لإطلاق العام الدراسي، رغم الأضرار التي لحقت بالمباني والظروف التي يعيشها الطلاب تحت القصف وأصوات القذائف، مؤكدة أن إصرارهم على استمرار التعليم يستوجب دعمهم ومراعاة أوضاعهم الاستثنائية. وأوضحت أن إدارات المدارس أعدّت جداول توزيع الشعب مرتين، خلال شهري آب وأيلول، وأطلعت الوزارة عليها، قبل أن ينطلق العام الدراسي على أساسها. واعتبرت أن العودة إلى تعديلها بعد بدء التدريس "تثير مخاوف جدية"، وتهدّد الجهود المبذولة لإعادة الاستقرار إلى المدرسة الرسمية في الجنوب. وحذّرت عزالدين من اكتظاظ يفوق القدرة الاستيعابية للغرف، لافتة إلى أن أبعاد بعض الغرف تبلغ نحو 6 أمتار في 7 أمتار، أي بمساحة 42 مترًا مربعًا، فيما قد تصل الأعداد المقترحة إلى 36 طالبًا، وأحيانًا إلى 43 طالبًا في بعض شعب الأول الثانوي. كما أشارت إلى طلب جمع 35 طفلًا في بعض صفوف الحضانة، رغم احتياجاتهم التربوية والنفسية وظروف الحرب التي ما زالوا يعيشونها. وقالت: "لا نستطيع القول إن هؤلاء الأطفال خرجوا من الحرب، فهم ما زالوا في صلبها"، مشدّدة على ضرورة مراعاة الفاقد التعليمي المتراكم منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019، مرورًا بجائحة كورونا والإضرابات التي شهدها القطاع التربوي، وصولًا إلى حربَي 2024 و2026. ولفتت إلى أن طلاب الجنوب تحمّلوا، إلى جانب الأزمات التي أصابت سائر الطلاب، تداعيات الحرب والنزوح والانقطاع عن الدراسة أو اللجوء إلى التعليم عن بُعد. وأضافت أن أعدادًا كبيرة منهم نزحت من القرى التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية إلى مناطق أكثر أمانًا نسبيًا، ما يجعل ظروفهم التعليمية والنفسية بعيدة عن الاستقرار الطبيعي. وعلى مستوى الهيئة التعليمية، أوضحت عزالدين أن تقليص الشعب بعد بدء التدريس يهدّد الساعات التعليمية والأنصبة الوظيفية للأساتذة، ويفرض تغييرات مفاجئة على الإدارات بعد تثبيت الجداول والبدء بتنفيذها. وأضافت أن نقل الأساتذة إلى ثانويات بعيدة عن أماكن سكنهم يرتّب عليهم تكاليف نقل إضافية، في ظل التضخم وتراجع القدرة الشرائية للرواتب. وانتقدت أيضًا اقتراح نقل الطلاب إلى مدارس أخرى لمعالجة ارتفاع أعدادهم في بعض الشعب، متسائلة: "هل تتعاملون مع أرقام أم مع بشر؟"، ومشيرة إلى أن هذه الخطوة تُحمّل الأهالي أعباء مالية وقلقًا إضافيًا بشأن أبنائهم، بعدما استقرّوا لسنوات في مدارسهم وقراهم. وأكدت أن اتخاذ قرارات بهذا الحجم يستوجب تقييمًا ميدانيًا يشمل أعداد الطلاب ومساحات الغرف وتجهيزاتها والاحتياجات التعليمية والاختصاصات والنتائج المتوقعة، بدل الاكتفاء بهدف تقليص عدد الشعب، منتقدة اتخاذ إجراءات من المكاتب من دون الإحاطة بواقع المدارس. وطالبت بمراجعة تراعي "الطاقة الاستيعابية للغرف ومصلحة الطلاب واحتياجاتهم التعليمية، واستقرار الأنصبة والساعات التعليمية للأساتذة"، إلى جانب الإسراع في إصدار الموافقات المتعلقة بالمتعاقدين على صناديق المدارس والمستعان بهم، لتلبية حاجات بعض الثانويات. وكشفت أن نقص الأساتذة دفع بعض المدارس إلى اعتماد دوام جزئي، بحيث تتابع كل حلقة دروسها يومين فقط، محذّرة من أن استمرار هذا الواقع يهدّد العام الدراسي ويفاقم الفاقد التعليمي. واعتبرت أن أي مراجعة قد تكون لها مبرراتها، لكن توقيتها الحالي "قاتل"، وكان ينبغي بحثها مع إدارات المدارس قبل بدء العام الدراسي، وبمشاركة الاختصاصيين والمستشارين، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والنفسية والوطنية والتربوية. وختمت عزالدين بدعوة وزيرة التربية إلى التعامل مع طلاب الجنوب بمسؤولية إنسانية، مؤكدة أن المنطقة التي ما زالت تعاني ظروفًا استثنائية تحتاج إلى إجر