دمشق، سوريا – شكّل الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير، من دون استفزاز مسبق، كارثة للبنان. ففي الوقت الذي يتابع فيه العالم تطورات حرب ترامب مع إيران في الخليج العربي، يتعرض لبنان، بعيداً عن الأنظار، لهجمات شبه يومية واحتلال إضافي من جانب الجيش الإسرائيلي. وسُجّلت حصيلة وفيات تتراوح بين 4057 و4386 شخصاً جراء الغارات الجوية والاجتياحات الإسرائيلية في لبنان، فيما تجاوز عدد الجرحى 12100 شخص. كما نزح أكثر من 1.2 مليون شخص في مختلف أنحاء لبنان. وفي حوار مع الصحفي ستيفن صهيوني، تتناول أوغاريت دندش، الكاتبة والإعلامية اللبنانية ورئيسة المكتب الإعلامي في الحزب السوري القومي الاجتماعي، قضايا السيادة اللبنانية وأمن الحدود وعودة النازحين السوريين والمساعدات الدولية لإعادة الإعمار والتصعيد الإقليمي ودور المقاومة ومستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في جنوب البلاد. ستيفن صهيوني: تُعدّ السيطرة على الحدود البرية والبحرية اللبنانية، ومكافحة التهريب، ومعالجة قضية النازحين السوريين، من أبرز مطالب المجتمع الدولي والرأي العام اللبناني. فما الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها لتنفيذ هذه التفاهمات من دون المساس بالسيادة الوطنية؟ أوغاريت دندش: علينا أولاً أن نبتعد عن المقاربة التي تتعامل مع هذه القضايا بوصفها استجابة لمطالب المجتمع الدولي بالدرجة الأولى. فضبط الحدود ومكافحة التهريب وتنظيم حركة العبور هي، قبل كل شيء، مسؤوليات تقع على عاتق الدولة ومسائل تتعلق بالمصلحة الوطنية. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن تدير الدولة حدودها وفقاً لسيادتها ومصالحها الاقتصادية والأمنية، وبين أن تتحول هذه الحدود إلى أداة لتنفيذ سياسات تفرضها أطراف خارجية خدمةً لأجندات أجنبية. فبعض الجهات تريد من الدولة اللبنانية أن تؤدي دور حارس الحدود لحماية مصالحها الخاصة. تربط لبنان وسوريا علاقات جغرافية واقتصادية واجتماعية وتاريخية لا يمكن اختزالها في خط مرسوم على الخريطة. وهذا لا يعني أن تنظيم الحدود أمر غير ضروري، بل على العكس، تجعل الظروف الراهنة التعاون المؤسسي بين البلدين أكثر إلحاحاً. وعملياً، نحن بحاجة إلى تنسيق رسمي مباشر، وتطوير المعابر الحدودية الشرعية، وتعزيز الرقابة الجمركية، واتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة شبكات التهريب التي تستغل الفساد وضعف المؤسسات. غير أن السلطة الحاكمة الحالية في دمشق تزيد الأمور تعقيداً. فمن جهة، نسمع دعوات غربية، ولا سيما من الولايات المتحدة، تحث الحكومة السورية على دخول لبنان ومحاربة أحد الأطراف السياسية اللبنانية. ومن جهة أخرى، لم يبلور الجانب السوري موقفاً واضحاً بما يكفي إزاء هذه المطالب. أما قضية النازحين السوريين، فلا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة أمنية أو ديموغرافية، بل هي قضية إنسانية وسياسية واقتصادية. وتتطلب معالجتها البحث في الأسباب التي تدفع هذه الأعداد الكبيرة من السوريين إلى البقاء في لبنان، بعدما قدموا إليه في البداية تحت مبرر معلن يتمثل في الهروب من النظام السوري السابق. كما تتطلب التنسيق بين الدول المعنية وتهيئة الظروف الملائمة لعودتهم، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعيات استمرار وجودهم. والأهم من ذلك، علينا أن نطرح سؤالاً جوهرياً: من المستفيد؟ من المستفيد سياسياً واقتصادياً من استمرار وجودهم؟ ومن المستفيد من الأموال المخصصة لهذه القضية؟ ومن الذي استفاد من الفساد والسرقات المزعومة المرتبطة بإدارتها؟ هذه أسئلة تستحق تحقيقاً جدياً إذا أراد لبنان وضع سياسة مستدامة وفعالة. ستيفن صهيوني: يواجه لبنان تحديات كبيرة في إعادة إعمار المناطق المتضررة وإعادة هيكلة قطاعيه المصرفي والمالي. فهل يمتلك اللبنانيون فرصة حقيقية للحصول على دعم عربي ودولي لإعادة الإعمار، أم أن هذه المساعدات ستظل مشروطة بتنازلات سياسية وأمنية صعبة؟ أوغاريت دندش: علينا التمييز بين المساعدات الاقتصادية بوصفها ضرورة لإعادة بناء ما دمرته الحروب، وبين استغلال هذه الحاجة وسيلةً للضغط من أجل فرض خيارات سياسية وأمنية. ففرض شروط تعجيزية مقابل الدعم المالي لم يعد أمراً يمكن إخفاؤه عن الرأي العام. يحتاج لبنان إلى إعادة الإعمار، لكنه يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء مؤسساته الاقتصادية والمالية ومعالجة الأزمة المصرفية. فهذه الأزمة لم تنجم عن الحرب وحدها، بل جاءت نتيجة تراكم طويل للسياسات والاختلالات الهيكلية. لكن التمويل الدولي لا تحكمه الاعتبارات الإنسانية أو الاقتصادية وحدها، إذ تؤثر المصالح السياسية والاستراتيجية أيضاً في قرارات الدول والمؤسسات المانحة. وهنا نصل إلى السؤال المحوري: هل يمتلك لبنان رؤية وطنية موحدة يستطيع التفاوض على أساسها، أم أنه سيخوض المفاوضات من موقع الضعف الاقتصادي والانقسام الداخلي؟ لا أعتقد أن جم