أين القانون؟ وأين الدولة من سوق قمار إلكتروني يتوسع أمام أعين اللبنانيين؟ منصات تسوّق ألعاب الميسر للجمهور، ومواقع تنشط خارج الترخيص، فيما تتعثر الملاحقة وتغيب الضوابط التي تحمي الناس من الخسائر والإدمان. “Bet Arabia” والسوق السوداء وجهان لظاهرة واحدة: قمار يتمدد، ومجتمع يُترك لمواجهة مخاطره وحده. رأي ديوان المحاسبة الاستشاري رقم 32/2023 وضع أصل المشكلة أمام الدولة. فقد خلص إلى أن توسيع امتياز كازينو لبنان ليشمل القمار عبر الإنترنت يحتاج إلى نص تشريعي واضح، وأن ملحق عقد الاستثمار لا يشكّل غطاءً قانونياً كافياً لهذا النشاط. كما أوصى بوضع إطار قانوني وتنظيمي للقطاع وبوقف المواقع غير المرخّصة. ومع ذلك، لا يزال السؤال قائماً: بأي سند تُسوّق منصات القمار الإلكتروني أنشطتها للناس؟ ثم جاء قرار وزير المالية رقم 843/1 ليضع إطاراً واضحاً للمراهنات الرياضية. فقد نصّ على إنشاء نوع جديد من اليانصيب في مديرية اليانصيب الوطني باسم “اليانصيب بواسطة التليبتينغ (Tele Betting)”، وأخضع إدارته لآلية تلزيم ومنصة إلكترونية ورقابة لجنة خاصة. كما ربط تشغيله بملتزم يُختار وفقاً للأصول ولمدة ست سنوات. القرار يحدد الجهة التي تدير المراهنات الرياضية والطريق الذي تُمارس من خلاله. فأين تقع أنشطة “Bet Arabia” من هذا الإطار؟ وبأي تلزيم أو ترخيص تمارس المراهنات الرياضية وتروّج لها؟ والسوق السوداء ليست تفصيلاً جانبياً. ففي جلسة لجنة تكنولوجيا المعلومات النيابية في 29 أيلول 2026، نوقشت سبل مواجهة المنصات غير المرخّصة وملاحقة مشغّليها ووقف تعامل الشركات العالمية معهم. لكن النقاشات لا تكفي: ما الذي يمنع الدولة من تحديد هذه المواقع وملاحقتها ووقف نشاطها؟ ولماذا لا تتحرك الجهات المعنية بحسم، فيما يواصل القمار الإلكتروني التمدد؟ والأخطر أن هذا النشاط يُسوّق للناس من دون تحذير واضح من مخاطر الإدمان والخسائر. في إسبانيا، فُرضت رسائل تحذيرية في إعلانات القمار للتنبيه إلى مخاطر الإدمان، مع حظر مشاركة من هم دون 18 عاماً. وفي فرنسا، وُضعت توجيهات لحماية القاصرين والفئات الأكثر عرضة للمخاطر والحد من الضغط الإعلاني. أما في بريطانيا، فتُلزم قواعد الإعلان بأن يكون الترويج مسؤولاً اجتماعياً، وتحظر استهداف القاصرين أو تقديم القمار كحل للمشكلات المالية والشخصية. فأين التحذيرات والتوعية في لبنان؟ ومن يحمي الجمهور من الإغراءات التي تبيع الوهم تحت عنوان الربح؟ وأين المجلس النيابي؟ اقتراح تنظيم ألعاب الميسر عبر الإنترنت أقرّته لجنة فرعية في حزيران 2025، لكنه لم يتحول إلى قانون نافذ. وبين اقتراح ينظم النشاط وآخر يطالب بوقفه، بقي التشريع معلقاً، فيما السوق لا ينتظر، والإعلانات تصل إلى الناس بلا ضوابط حماية واضحة. أما الحكومة، فكلّفت وزارة المالية إعداد مشروع قانون ينظّم الميسر والمراهنات، ومشروعاً آخر يسمح بتوسيع امتياز كازينو لبنان ليشمل القمار الإلكتروني، كما طلبت مراجعة العقد مع “Bet Arabia”. فإذا كان كل شيء واضحاً وقانونياً، فلماذا تحتاج الحكومة إلى تشريع جديد ومراجعة للعقد؟ ولماذا يستمر التسويق فيما التنظيم والملاحقة والتوعية مؤجلة؟ “Bet Arabia” والسوق السوداء وجهان لقمار ينهش المجتمع، فيما الدولة تتأخر عن فرض القانون. أين الملاحقة؟ أين الرقابة؟ وأين التحذير الذي يحمي الناس من خسائر قد تتحول إلى إدمان وديون وانهيار عائلي؟ المطلوب من الدولة أن تتحرك فوراً: أن توقف المواقع المخالفة، وتحسم السند القانوني للمنصات القائمة، وتفرض رقابة جدية وتوعية إلزامية على كل من يروّج لهذا النشاط.