من طفل نشأ في أسرة فقيرة شمال شرقي البرازيل، إلى عامل في مصانع المعادن وقائد للحركة النقابية، ثم رئيس للجمهورية أربع مرات، تختصر مسيرة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (Luiz Inácio Lula da Silva) تحولات سياسية واجتماعية شهدتها البرازيل على مدى عقود. لم تكن رحلة لولا إلى السلطة مستقيمة، إذ خسر الانتخابات الرئاسية البرازيلية ثلاث مرات قبل فوزه الأول عام 2002، ثم أمضى فترتين في الحكم، قبل أن تقوده قضايا فساد إلى السجن وتبعده عن الحياة السياسية. غير أن إلغاء إداناته أعاد فتح الطريق أمام عودته إلى الرئاسة عام 2023، وصولاً إلى فوزه بولاية رابعة في تشرين الأول/أكتوبر 2026. ويُعدّ لولا أحد أبرز وجوه اليسار في أميركا اللاتينية، بعدما ارتبط اسمه بالبرامج الاجتماعية ومكافحة الفقر والدفاع عن حقوق العمال، في مقابل انتقادات تتعلق بفضائح الفساد التي طالت حزبه، والسياسات الاقتصادية لحكوماته. من هو لويس إيناسيو لولا دا سيلفا؟ وُلِد لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في 27 تشرين الأول/أكتوبر 1945، في مدينة غارانيوس بولاية بيرنامبوكو شمال شرقي البرازيل، لعائلة متواضعة تضم ثمانية أبناء، كان سابعهم. نشأ في ظروف اقتصادية صعبة، وانتقل مع أسرته إلى ولاية ساو باولو بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل. واضطر إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة، فعمل ماسحاً للأحذية ومساعداً في أعمال مختلفة، قبل أن يتجه إلى القطاع الصناعي. في الرابعة عشرة من عمره، بدأ العمل في مصنع للبراغي، والتحق بالتدريب المهني في المعهد الوطني للتعليم الصناعي، حيث تأهّل للعمل خراطاً ميكانيكياً. وخلال عمله في الصناعات المعدنية، تعرّض لحادث مهني أدى إلى فقدانه إصبع الخنصر من يده اليسرى، وهي واقعة أصبحت جزءاً من صورته السياسية بوصفه زعيماً خرج من الطبقة العاملة. من العمل النقابي إلى تأسيس حزب العمال بدأ انخراط لولا في العمل النقابي خلال ستينيات القرن الماضي، في وقت كانت البرازيل تخضع لحكم عسكري استمر بين عامَي 1964 و1985. وفي عام 1975، انتُخب رئيساً لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو ودياديما، إحدى أبرز المناطق الصناعية في ولاية ساو باولو. برز اسمه على المستوى الوطني مع قيادته إضرابات عمالية واسعة في أواخر السبعينيات، للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، في مواجهة القيود التي فرضها النظام العسكري على النشاط النقابي والسياسي. وفي عام 1980، شارك في تأسيس حزب العمال البرازيلي (PT)، إلى جانب نقابيين ومثقفين وناشطين اجتماعيين، بهدف بناء قوة سياسية تمثّل الطبقات العاملة والفئات الأقل دخلاً. وفي العام نفسه، اعتُقل على خلفية نشاطه النقابي خلال إضراب لعمال المعادن، وأمضى 31 يوماً في السجن. ومع عودة البرازيل تدريجياً إلى الحياة الديموقراطية، انتقل لولا من قيادة الاحتجاجات العمالية إلى العمل السياسي، وانتُخب نائباً في البرلمان عام 1986، قبل أن يبدأ محاولاته للوصول إلى الرئاسة. لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. (أ ف ب) كيف وصل لولا دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل؟ خاض لولا أول انتخابات رئاسية عام 1989، لكنه خسر أمام فرناندو كولور دي ميلو. وكرّر المحاولة في عامي 1994 و1998، من دون أن يتمكن من الفوز أمام فرناندو هنريكي كاردوسو. وجاء التحوّل في عام 2002، عندما فاز بالرئاسة بعد حصوله على نحو 53 مليون صوت في الجولة الثانية، ليصبح أول رئيس برازيلي يصل إلى المنصب انطلاقاً من مسيرة نقابية وعمالية بهذا الحجم. وتسلّم السلطة في الأول من كانون الثاني/يناير 2003، في مرحلة كانت البرازيل تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية، من بينها الفقر والتفاوت في توزيع الدخل. وخلال ولايتيه الأولى والثانية، بين عامي 2003 و2010، ارتبط اسمه بمجموعة من السياسات والبرامج التي تركت أثراً في المجتمع البرازيلي، أبرزها: - برنامج "بولسا فاميليا" (Bolsa Família): برنامج للتحويلات المالية المشروطة استهدف الأسر ذات الدخل المنخفض، وساهم في توسيع شبكات الحماية الاجتماعية. - مكافحة الفقر والجوع: تبنّت حكومته مبادرات اجتماعية، من بينها برنامج "القضاء على الجوع"، بهدف تحسين الأمن الغذائي ومستويات المعيشة. - النمو الاقتصادي: استفادت البرازيل خلال جزء من حكمه من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة الطلب العالمي على صادراتها، بالتزامن مع توسّع الاستهلاك المحلي. - تعزيز الحضور الدولي: عمل على توسيع علاقات البرازيل مع الدول النامية، ودعم التعاون بين اقتصادات الجنوب العالمي، بما في ذلك مجموعة "بريكس". وأعيد انتخاب لولا عام 2006، قبل أن يغادر الرئاسة في نهاية عام 2010، وسط شعبية مرتفعة، تاركاً المنصب لحليفته السياسية ديلما روسيف. لكن هذه المرحلة لم تخلُ من الأزمات، إذ واجه حزب العمال فضائح فساد، أبرزها فضيحة "مينسالاو"، المتعلقة بشراء الدعم السياسي داخل البرل