في 19 تموز 1990 عُقِدَ في بلدة البياض - صور الاجتماع العلمائي في جبل عامل بحضور 54 عالم دين برئاسة المرجع الشيخ ابراهيم سلمان، وأعلن السيد علي الأمين في ختامه بياناً مشتركاً أكدّ فيه تأييد الحكومة اللبنانية، ودعا رئيس الجمهورية والحكومة إلى الطلب من إيران رسمياً سحب حرسها الثوري من لبنان وإدخال الجيش إلى إقليم التفاح. وفي 19 آب 2004، عقد في دار الإفتاء في صور بدعوة من مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين، اللقاء الشيعي الذي جمع المرجع السيد محمد حسين فضل الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة "حزب الله" في الجنوب وحشد من الوزراء والنواب والشخصيات الجنوبية، والذي أكد فيه الداعي إلى اللقاء، أن هذا الحدث هو للتواصل والتعاون في سبيل الجمع لا الطرح. السيد علي الأمين بين المواطنة والحوار وإذا كان السيد علي الأمين قد تميز بتبني البوصلة الوطنية اللبنانية دون سواها من ضمن حراكه الفقهي والديني، وهذا ما ظهر من خلال اللقائين المذكورين، بحيث عمل أولاً على تظهير الخيار الوطني اللبناني كخيار للجنوب وجبل عامل وأهله في مواجهة المد الإيراني المتمثل بجماعة تصدير الثورة الإسلامية أي "حزب الله"، ومدّ الخيار الوطني بغطاءٍ ديني فقهي مرجعي، كما سعى في اللقاء الثاني الى تدعيم أواصر الحوار والنقاش في سبيل اعلاء الكلمة السواء تحت السقف الوطني اللبناني دون سواه. ولم يبخل عن القيام بواجبه الديني الذي ظهر في موضوع "ولاية الفقيه" فقدم مطالعة علمية من ضمن إطار التوضيح المنطقي، تستند الى الحجج الفقهية لمفهوم الولاية والدولة والعلاقة بينهما من خلال كتيِّب "ولاية الدولة ودولة الفقيه" الصادر عن دورية خطط لبنانية من ضمن سلسلة "دفاتر هيا بنا" في كانون الأول عام 2007، والذي فنّد فيه بطريقة علمية منطقية وفق أصول البحث العلمي، الفرق بين الدولة بمفهومها السياسي والقانوني وولايتها على مواطنيها، ودور الفقيه في مقاربة الأمور الدينية والدنيوية وتسهيل أمور العامة بإصدار الفتاوي الميسرة لشؤونهم وشجونهم، قبل القيام بالخلط بين دور الفقيه الديني وربطه بالسلطة ما ولد نهجاً سياسياً يتمثل بالتوصل الى مصطلح قد يكون أقرب الى الواقع السائد وهو دولة الفقيه. حدد السيد الأمين بطريقة علمية واضحة مفهوم الدولة وولايتها على مواطنيها، فاعتبر أن دولة المؤسّسات والقانون ليست انعكاساً لرؤية أيديولوجية خاصة بطائفة أو حزب أو جماعة خصوصاً في المجتمعات المختلطة والمتعدّدة، كما هي الحال في لبنان البلد المتعدّد الطوائف الذي تنبثق عنه فكرة الدولة وتنشأ من خلال عقد اجتماعي بين جميع الفئات تتكرّس ميثاقاً وطنيّاً يتجاوز الأطر الضيُقة والنظرات الأُحادية، وهي المسؤولة وحدها عن الشعب والوطن. فنّدَ السيد الأمين مسألة ولاية الفقيه، بطريقة علمية منطقية مبسطة، وأكد أن مسألة ولاية الفقيه تُعدُّ من مسائل الفروع الفقهية في علم الفقه، وليست ولاية الفقيه من المسائل العقائدية عند المسلمين الشيعة. فالمسائل التي تكتسب صفة (واجبة الاعتقاد) هي المسائل المتّفق عليها في أمور العقيدة سواء في أمور أصول الدِّين، أو في أمور فروع الدِّين، بينما ولاية الفقيه ليست من أصول الدِّين المعروفة عند الشيعة، وليست أيضاً من فروع الدِّين المتفق عليها عند علمائهم، فهي مسألة خلافية، والمسألة الخلافية ليست لها صفة (العقائدية) لأن المسألة العقائدية لها صفة الاتفاق وصفة الضرورة والمسلّمات. فمثلًا الإمامة عند الشيعة هي من المسائل الثابتة والمتفق عليها عندهم، فلا يمكن لشيعي أن يؤمن بها ولآخَر أن لا يؤمن بها ويبقى شيعيّاً، لأن الإمامة من العقائد عند الشيعة. وقد تكلّم العلماء والفقهاء من المذهب الشيعي في مسألة ولاية الفقيه، ورفضها كثيرون منهم، ولذلك هي لا تُعتبر من مسائل العقيدة عند الشيعة. وقد رأينا في إيران إبّان ما سُميت "الحركة الخضراء" خروج الملايين مُعلنين عدم قبولهم رأي الولي الفقيه ومنهم علماء، فهل هؤلاء ليسوا شيعة؟ بلى، هم مسلمون شيعة، وهم لم يرتكبوا شيئاً خلاف العقيدة الشيعية عندما رفضوا رأي الولي الفقيه. فالبحث في علم الفقه عن ولاية الفقهاء في الأصل كان بعيداً عن السلطة السياسية على الأفراد والجماعات والأنظمة والحكومات، وقد تعرّض الفقهاء للبحث عنها في كتبهم وأبحاثهم الفقهية نفياً وإثباتاً في موضوعات الأحوال الشخصية. وخلص إلى أن مسألة ولاية الفقيه لم تكن في الأساس مسألة سياسية. والبحث عنها في الفقه الشيعي كان سابقاً في إطار الولاية على الإفتاء بمعنى الأهلية العلمية والدِّينية لإصدار الفتوى، وعلى ما تقدَّم ذكره مما تسمّى الوصاية، كطلاق الغائب والولاية على الصغار والقاصرين وعلى فاقدي الأهلية، لإدارة شؤونهم الإنسانية والاجتماعية. بدأت "الولاية" بحسب السيد الأمين تأخذ الطابع السياسي في إيران أوائل القرن التاسع عشر، حين نشب صراع بين بعض