يتعرض الحضور العسكري الروسي لضغوط متزامنة في البحر المتوسط وداخل الأراضي الروسية، في مشهد يكشف حجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب في أوكرانيا على موسكو. فللمرة الأولى منذ نحو عقد، غابت السفن الحربية الروسية بالكامل عن المتوسط لنحو شهرين، بالتوازي مع سلسلة ضربات استهدفت منشآت مرتبطة بصناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ الروسية. وبحسب تقرير للصحافي أرنون شفارتسمان في موقع "ماكو" الإسرائيلي، لم يشغّل الأسطول الروسي سفنًا حربية في البحر المتوسط لنحو شهرين، بين تموز ومطلع أيلول 2026، في أول غياب كامل لقطع البحرية الروسية عن المنطقة منذ عقد. ونقل التقرير عن مسؤول في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تحدث إلى موقع "Breaking Defense" شرط عدم الكشف عن هويته، قوله إن الحلف رصد تراجعًا كبيرًا في الوجود البحري الروسي في المتوسط، مشيرًا إلى أن آخر غياب مماثل يعود إلى عام 2016. وقال المسؤول: "مهمات المرافقة هذه تستنزف من البحرية الروسية أيامًا ثمينة من النشاط في البحر، وتضغط على قدرتها على توفير قوات بحرية لمهمات أخرى". وفي عامل إضافي يضغط على حركة موسكو البحرية، أشار أستاذ للأمن الدولي في جامعة لانكستر، في مقابلة مع وسائل إعلام أجنبية، إلى القيود التي تفرضها تركيا على مرور السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة عبر المضائق الخاضعة لسيطرتها. وأوضح أن هذه القيود تمنع روسيا من نقل سفن بصورة روتينية من أسطول البحر الأسود إلى البحر المتوسط بهدف تبديل القطع البحرية العاملة هناك. ويشكل هذا التطور تحولًا مهمًا في ميزان القوى في البحر المتوسط، إذ كانت روسيا، التي شكلت سابقًا "ظهرًا" لنظام بشار الأسد في سوريا، قد خسرت جزءًا كبيرًا من موطئ قدمها في المنطقة، في ظل الحرب في أوكرانيا التي تستنزف مواردها بشكل كبير. وبعد ذلك، سقط نظام الأسد، فيما بدأت تركيا بتوسيع قوتها ونفوذها في المنطقة. وفي عام 2025، ألغت الحكومة السورية الجديدة اتفاقية تأجير موسكو منشآتها في ميناء طرطوس، ما زاد من صعوبة عمليات البحرية الروسية. إلا أن اتفاقًا تم التوصل إليه في آب 2026 أتاح لروسيا استخدام المنشآت العسكرية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية كمراكز تدريب مشتركة، رغم أن ترتيبات الدعم اللوجستي التي كانت تعتمد عليها موسكو سابقًا تعرضت للاضطراب. وعزا مسؤول "الناتو" تراجع الوجود الروسي إلى انخفاض قدرة موسكو على الوصول إلى المنشآت البحرية في سوريا، والنقص في سفن الدعم اللوجستي، إضافة إلى الحاجة المتزايدة لمرافقة السفن التجارية الروسية، بما فيها السفن المرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي. ووفق "Breaking Defense"، تُرسل السفن الحربية الروسية بصورة متزايدة لمرافقة السفن التجارية في بحر البلطيق ومياه أوروبية أخرى، ما يقلص عدد القطع المتاحة لتنفيذ مهمات في مناطق أخرى. وكان وزير الدفاع الفنلندي قد أكد في أيار 2025 أن روسيا بدأت إرسال قطع بحرية عسكرية لمرافقة ناقلات النفط التابعة لـ"أسطول الظل" أثناء عبورها خليج فنلندا. وشكل ذلك استخدامًا جديدًا للقوات العسكرية الروسية لحماية حركة الشحن التجاري في بحر البلطيق، وكشف في الوقت نفسه حجم الضغط المتزايد على موارد البحرية. ومع ذلك، أشار الباحث الذي تحدث عن الدور التركي إلى أن موسكو لا تزال تمتلك مصلحة استراتيجية وقدرة عسكرية للحفاظ، على المدى الطويل، على وجود بحري في منطقة البحر المتوسط. وبالتوازي مع الضغوط البحرية، تعرضت منشآت مرتبطة بصناعة السلاح الروسية لسلسلة ضربات داخل الأراضي الروسية. وبحسب التقرير، هاجمت طائرات مسيّرة، ليل 24 إلى 25 تشرين الأول، مصنعًا للمواد الكيميائية والمعادن في مدينة بيريزنيكي بمنطقة بيرم الروسية، وهو مصنع ينتج التيتانيوم المستخدم في الطائرات العسكرية ومنظومات الصواريخ الروسية. وأكد حاكم المنطقة وقوع هجوم بالمسيّرات، معلنًا إصابة 5 عمال. وقال الحاكم إن أنظمة الدفاع الجوي الروسية اعترضت 11 طائرة مسيّرة، مشيرًا إلى أن منشأة صناعية تعرضت لأضرار طفيفة، لكنها واصلت العمل. كما نشرت مجموعة الاستخبارات مفتوحة المصدر "Exilenova+" مشاهد قالت إنها توثق الهجوم. ويعمل المصنع ضمن أكبر شركة لإنتاج التيتانيوم في روسيا، وينتج "إسفنج التيتانيوم"، وهو مادة خام تدخل في تصنيع محركات الطائرات والمقاتلات ومكونات الصواريخ. ووفق هيئة المسح الجيولوجي الأميركية "USGS"، أنتجت الشركة خلال عام 2024 نحو 33,500 طن من إسفنج التيتانيوم، بما يمثل نحو 96% من إجمالي الإنتاج الروسي. وتزود الشركة مصنّعي الطائرات الروسيتين "سوخوي" و"إيركوت" بسبائك التيتانيوم المستخدمة في إنتاج المقاتلات Su-30 وSu-34 وSu-35. كما تُستخدم منتجاتها في القاذفات الاستراتيجية Tu-95MS وTu-160. وكانت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية قد حددت الشركة بوصفها موردًا يدخل ضمن س