بين موازنات تستنزفها النفقات الجارية، ومؤسسات خاصة تتفاوت في جودتها، ومجتمع أهلي لم يمنح التعليم التقني مكانة تضاهي التعليم الأكاديمي، تكشف الدراسات الدولية عن أزمة بنيوية تهدد قدرة لبنان على إعداد القوى العاملة التي يحتاج إليها اقتصاده.يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة العمل، ويقوّض الاعتقاد أن الشهادة الجامعية تضمن مستقبلاً أفضل من المهارة المهنية. فبينما تستطيع البرامج الذكية إنجاز مهام مكتبية ومعرفية متزايدة، تبقى مهن التركيب والصيانة والتشغيل معتمدة على خبرة تطبيقية وحضور ميداني يصعب استبدالهما. ووفق دراسة لهيئة الإحصاء الكندية عام 2024، يعمل 83% من حملة البكالوريوس، في مقابل 27% من حملة شهادات التدريب المهني والحرفي، في وظائف شديدة التعرض للذكاء الاصطناعي. ولا يعني التعرض فقدان الوظيفة بالضرورة، لكنه يدعو إلى إعادة الاعتبار للتعليم التطبيقي.في ألمانيا، يربط نظام التعليم المزدوج المدرسة بالمؤسسة الإنتاجية، فيكتسب الطالب المعرفة والخبرة العملية معاً. أما لبنان، المحتاج إلى مهارات تعيد تأهيل بنيته التحتية وتطور الصناعة والزراعة والطاقة، فلا يزال تعليمه المهني والتقني يعاني اختلالات مزمنة، رغم الموارد المرصدة وبرامج الدعم الدولية.ليست الأزمة مجرد انطباع. فقد أظهرت دراسة منظمة العمل الدولية لعام 2021 حول ضمان الجودة والاعتماد، أن الرقابة تركز على شروط الترخيص والتجهيزات أكثر من قياس الكفايات وفرص توظيف الخريجين، وأن غالبية المؤسسات الخاصة المشمولة بالمقابلات تفتقر إلى استراتيجيات مكتوبة لضمان الجودة. وأشار تقييم مؤسسة التدريب الأوروبية لعام 2024 إلى فجوات كبيرة في المهارات الأساسية، ولاسيما منها القراءة والرياضيات والعلوم. فكيف نقيس نجاح معهد لا نعرف مدى إتقان خريجيه لمهنهم أو قدرتهم على إيجاد عمل؟وتكشف موازنة 2026 اختلالاً في الأولويات: نحو 9.66 تريليونات ليرة مرصدة للتعليم الثانوي المهني والتقني، أي حوالى 108 ملايين دولار، تذهب نسبة تقارب 93% من اعتماداتها الجارية إلى الرواتب وملحقاتها، في مقابل 8.15 مليارات ليرة فقط للتجهيز والصيانة الاستثمارية. وهذه اعتمادات لا نفقات منفذة، وقد توجد مصادر تمويل أخرى، لكنها تثير التساؤل عن ضآلة الاستثمار في تحديث المشاغل والمختبرات.وفي التعليم الرسمي، تتجاوز المشكلة توزيع المال إلى طبيعة الحوكمة. فبأي معايير تُنشأ المعاهد وتُفتح الاختصاصات ويُتعاقد مع الأساتذة؟ وهل تخضع لحاجات المناطق والاقتصاد، أم لتدخلات سياسية وزبائنية؟ إن تحويل المؤسسة التعليمية إلى وسيلة لتوزيع الوظائف والمنافع والنفوذ المحلي، حيث يحدث، يقوّض رسالتها. والمطلوب نشر بيانات الإنفاق والتعاقد وأعداد الطلاب ونتائج الخريجين، وإخضاع القرارات لتدقيق مستقل.أما في التعليم المهني الخاص، الذي يمثل نحو 60% من المؤسسات وفق بيانات مؤسسة التدريب الأوروبية، فتبرز إشكالية لا تقل خطورة: احتمال أن تتحكم حسابات الربحية، أكثر من حاجات سوق العمل، في اختيار الاختصاصات. فالتعليم الصناعي الحقيقي يحتاج إلى مشاغل وآلات ومدربين متخصصين ومواد تشغيلية مرتفعة الكلفة، بينما يمكن تقديم اختصاصات كالإدارة والمحاسبة والمعلوماتية العامة والخدمات المكتبية باستثمارات أدنى، واستيعاب أعداد أكبر من الطلاب، وتحقيق هوامش ربح محتملة أعلى.والمفارقة أن بعض هذه الاختصاصات يتقاطع مع تخصصات أكاديمية يعاني خريجوها أصلاً صعوبات في إيجاد فرص عمل. وهكذا، بدلاً من سد النقص في المهارات التقنية، قد يساهم التعليم المهني في مضاعفة أعداد حملة الشهادات المتشابهة، من دون قيمة مهنية مضافة تميزهم في سوق العمل.وتزداد المفارقة وضوحاً أمام دراسة مشتركة لجمعية الصناعيين اللبنانيين ومنظمة العمل الدولية عام 2024، أظهرت أن 75% من المؤسسات الصناعية المستطلعة تحتاج إلى تقنيين، خصوصاً في الكهرباء والميكانيك والتشغيل الآلي والتبريد واللحام. فهل تحدد الاختصاصات وفق حاجات الاقتصاد، أم وفق سهولة تسويقها وكلفة تدريسها؟ ولا يجوز تعميم المنطق التجاري على جميع المؤسسات الخاصة، فهناك تجارب جادة، لكن غياب الرقابة الفعلية على المخرجات يجعل خطر تحويل الشهادة إلى سلعة أمراً يستحق المساءلة.ولعل المفارقة الأخرى تكمن في دور المجتمع الأهلي، وخصوصاً المؤسسات الدينية والوقفية والخيرية، التي نجحت تاريخياً في إنشاء مدارس وجامعات مرموقة، لكنها لم تطور، بالزخم نفسه، شبكة واسعة من المؤسسات المهنية والتقنية المتقدمة. صحيح أن هناك تجارب أهلية رائدة لا يجوز تجاهلها، لكن لماذا لم يتحول هذا الحضور إلى معاهد غير ربحية ذات مشاغل حديثة وشراكات فعلية مع المؤسسات الإنتاجية؟ هل يعود ذلك إلى النظرة الاجتماعية التي تعلي الشهادة الجامعية على المهارة المهنية، أم إلى ارتفاع كلفة التجهيز والتدريب، أم إلى أولويات المؤسسات نفسها في توجي