من تمجيد الأسد إلى حذف الموناليزا: أي مدرسة تنتظر السوريين؟ أستيقظ في السادسة صباحاً، وأرتدي بدلة عسكرية بلون "الكاكي" لا يفارق ذاكرتي، أفكر طوال الطريق إلى المدرسة: لماذا يُفرض عليّ لون ثيابي وشكلها؟ لكن الأسئلة تتبدد في باحة المدرسة، حيث نصطف الواحد تلو الآخر في طقوس صباحية تتكرر كل يوم، ونردد أناشيد تمجّد الرئيس حافظ الأسد. أدخل الصف، فأجد صورته معلّقة إلى جانب العلم الوطني، وفي أحد الأيام، توضع أمامي استمارة انتساب إلى حزب البعث، ويُطلب مني توقيعها عنوةً، أرفض، فيُتخذ قرار بفصلي من المدرسة إلى أن أتراجع عن موقفي، دون أن أفهم ماهية هذا الحزب، ولماذا أنا مُجبرة على الانضمام إليه، وأنا المنحدرة من عائلة شيوعية. أقلّب صفحات كتاب التربية القومية، وأحاول حفظ ما ورد فيه، لكن ذاكرتي تعجز عن استيعاب عبارات لا أفهمها ولا أؤمن بها، ومع ذلك، كان عليّ أن أحفظها، فالمادة إلزامية والرسوب فيها يعني الرسوب في العام الدراسي، أردد الكلمات كالببغاء، بينما أحلم بالتحرر من كل ما يحيط بي. بدا التحرر من ذلك الواقع مستحيلاً آنذاك، في ظل عقود من توظيف التعليم لترسيخ أيديولوجيا حزب البعث، الذي وصل إلى السلطة عام 1963، قبل أن يرسّخ حافظ الأسد حكمه عام 1970. لم تكن المدرسة خلال تلك العقود مؤسسة منفصلة عن المشروع السياسي للدولة؛ فقد نصت المادة الحادية والعشرون من دستور عام 1973 صراحةً على أن النظام التعليمي يهدف إلى إعداد جيل عربي قومي اشتراكي يؤمن بأهداف الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي الشعارات التي كنا نرددها كل صباح حتى تؤلمنا حناجرنا. وبذلك، تحولت أيديولوجيا الحزب الحاكم إلى مرجعية رسمية للتربية والتعليم، بدلاً من أن تكون مجرد اتجاه فكري يمكن للتلاميذ التعرف إليه ومناقشته. انعكس هذا التوجه في كتب التربية القومية والتاريخ واللغة العربية، وفي الاحتفاء بالحركة التصحيحية وإنجازات القيادة، وفي الحضور المتكرر لصورة الرئيس وأقواله داخل المؤسسات التعليمية، حتى إن الرحلات المدرسية لم تخلُ من الأناشيد التي تمجّد "القائد الخالد". وعززت منظمتا طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة ارتباط الأنشطة المدرسية بالتنشئة السياسية، فأصبحت مفاهيم الانتماء الوطني والولاء للقيادة والحزب متداخلة في الخطاب التعليمي الرسمي. ولم يقتصر الأمر على عهد حافظ الأسد، إذ استمرت السردية الرسمية ذاتها في عهد ابنه بشار الأسد، رغم إدخال تحديثات تربوية شملت الكتب وطرائق التدريس والمعايير التعليمية، بقيت المؤسسة التعليمية خاضعة لتوجهات السلطة السياسية. كانت المشكلة، إذاً، أبعد من وجود صورة الرئيس في كتاب أو على جدار الصف؛ إنها تتعلق بمن يمتلك سلطة تفسير التاريخ، وتحديد معنى الوطنية، ورسم الحدود المقبولة للنقاش داخل المدرسة. ومع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، اكتسبت هذه المسألة أهمية إضافية، بعدما انقسمت البلاد سياسياً وجغرافياً، وظهرت مناهج مختلفة في مناطق السيطرة المتعددة، بينما استمرت الكتب الرسمية في تقديم الأحداث من منظور السلطة السابقة. بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، واجهت الإدارة الجديدة إرثاً تعليمياً شديد الارتباط بالنظام السابق. كان حذف صور الأسد وشعارات حزب البعث والمحتويات التي تمجّد السلطة السابقة خطوة يمكن فهمها في سياق التحول السياسي، فاستمرار تدريس نصوص تمجّد نظاماً سقط، أو تقدّم روايته السياسية بوصفها حقيقة لا تقبل النقاش، يتعارض مع الحاجة إلى مراجعة المناهج وإعادة النظر في مضامينها. لكن القرارات الأولى التي أعلنتها وزارة التربية مطلع كانون الثاني 2025 لم تقتصر على هذه المهمة. فقد شملت إلغاء مادة التربية الوطنية، وتعديل توصيف الفترة العثمانية من "الاحتلال" إلى "الحكم"، وإجراء تغييرات في نصوص دينية وتاريخية وعلمية وفلسفية، ما أثار اعتراضات وتساؤلات بشأن طبيعة المراجعة والجهة المخوّلة بإجرائها. وبدا أن نطاق التعديلات المعلنة يتجاوز إزالة الرموز السياسية للنظام السابق، ليمتد إلى مضامين تتصل بالتاريخ والدين والعلوم وصورة المجتمع. وهنا يظهر فارق جوهري بين عمليتين: مراجعة المناهج لتنقيتها من الدعاية السياسية، وإعادة صياغتها وفق المرجعية الفكرية للسلطة الجديدة. الأولى قد تكون ضرورة تعليمية بعد التحولات الكبرى، أما الثانية فتستدعي نقاشاً مجتمعياً واسعاً، لأنها تتصل بحق الأجيال المقبلة في تلقي معرفة متنوعة لا تختزل البلاد في رؤية فئة سياسية أو دينية واحدة. ولا يمكن، في النهاية، التعامل مع جميع التعديلات بالمعيار نفسه؛ فحذف صورة مرتبطة بتمجيد الأسد يختلف عن إزالة لوحة فنية عالمية أو صورة منحوتة أثرية، كما أن إعادة تقييم رواية تاريخية تختلف عن استبعاد موضوع يتناول المشاركة الديمقراطية. التعديلات التي أدخلتها السلطات السورية الجديدة على الكتب المدرسية أثارت أسئلة