دخل اكتشاف جديد للغاز الطبيعي في المياه المصرية على خط معادلة الطاقة في شرق المتوسط، بعدما أعلنت شركة "شيفرون" الأميركية ووزارة البترول المصرية نتائج إيجابية في بئر "نرجس 2"، ما أعاد طرح أسئلة في إسرائيل حول مستقبل صادرات الغاز إلى القاهرة، وحول ما إذا كان تعزيز الإنتاج المصري سيمنحها، على المدى الطويل، قدرة أكبر على تقليص اعتمادها على الإمدادات الإسرائيلية وتحسين موقعها التفاوضي. وبحسب تقرير للصحافية رونيت مورغنشترن في موقع "ماكو" الإسرائيلي، أعلنت "شيفرون" ووزارة البترول المصرية خلال نهاية الأسبوع نتائج إيجابية لعمليات الحفر في بئر "نرجس 2" Nargis-2 في البحر المتوسط. ونُفذت أعمال الحفر في حوض شرق دلتا النيل على بعد نحو 50 كيلومترًا من الساحل، ووصلت إلى عمق يزيد على 5 كيلومترات، وأكدت أن طبقات الغاز التي اكتُشفت في الحفر الأول عام 2022 تمتد على مساحة أوسع مما كان معروفًا. كما كشفت عمليات الحفر عن طبقة جديدة تحتوي على الغاز بسماكة تصل إلى 35 مترًا. وحتى الآن، لم يصدر تقدير رسمي لكمية الغاز الموجودة في الحقل، كما لم يُحدد موعد لبدء الإنتاج، إلا أن التطور يمثل بالنسبة إلى مصر خطوة مهمة في مساعيها لزيادة إنتاج الغاز المحلي وتقليص الاعتماد على الاستيراد. وتعتمد مصر حاليًا بدرجة كبيرة على الغاز الإسرائيلي لتأمين الكهرباء للمنازل والقطاع الصناعي، فيما تستفيد إسرائيل من عائدات بمليارات الدولارات ومن ورقة استراتيجية مهمة في علاقتها مع القاهرة. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، زودت إسرائيل مصر خلال عام 2024 بنحو 10 مليارات متر مكعب BCM من الغاز الطبيعي، أي نحو 17% من إجمالي استهلاك البلاد من الغاز ونحو 45% من وارداتها في ظروف الإمداد الاعتيادية. وفي عام 2025، تراجعت كمية الإمدادات إلى ما يزيد قليلًا على 9 مليارات متر مكعب. وفي آب 2025، وُقعت صفقة ضخمة لتوسيع صادرات الغاز من حقل "ليفياثان" إلى مصر، بقيمة تقديرية تبلغ نحو 35 مليار دولار، وتشمل توريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز حتى عام 2040. وتتوزع ملكية حقل "ليفياثان" بين "نيو ميد إنرجي"، الخاضعة لسيطرة مجموعة "ديليك" التابعة لإسحاق تشوفا، بنسبة 45.34%، و"شيفرون" بنسبة 39.66%، و"راتيو إنرجيز" بنسبة 15%. وتأتي أهمية التطورات الجديدة أيضًا من موقع الغاز داخل العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية. فعلى مدى عقود، اتسمت العلاقات بين البلدين بما يوصف أحيانًا بـ"السلام البارد"، القائم على تعاون أمني وسياسي يقابله مستوى محدود من العلاقات الشعبية وتوترات مرتبطة بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وتؤدي مصر كذلك دورًا كبيرًا في الترتيبات المتعلقة بقطاع غزة، فيما أضاف الغاز إلى العلاقة بين القاهرة وتل أبيب بعدًا اقتصاديًا مهمًا، إذ تحتاج مصر إلى الإمدادات الإسرائيلية، بينما تستفيد إسرائيل وشركات الغاز من سوق تصدير كبيرة وقريبة. لكن هذا الاعتماد يحمل في الوقت نفسه نقاط ضعف. فعندما يتوقف إنتاج الغاز في إسرائيل لأسباب أمنية، تصل التداعيات إلى الاقتصاد المصري أيضًا. وفي آذار 2026، توقف حقل "ليفياثان" عن العمل لأكثر من شهر بسبب الوضع الأمني، ما أبرز المخاطر الناتجة عن الاعتماد على مصدر واحد للإمدادات. ومن وجهة النظر المصرية، لا تمثل زيادة الإنتاج المحلي مجرد هدف اقتصادي لتقليص تكاليف الاستيراد، بل وسيلة أيضًا لتخفيف الاعتماد على الغاز الإسرائيلي. وإذا تمكنت القاهرة من زيادة إنتاجها المحلي بصورة كبيرة، فقد تستطيع تدريجيًا تقليص اعتمادها على الإمدادات القادمة من إسرائيل، ما قد يؤدي أيضًا إلى تراجع الوزن الاستراتيجي للغاز الإسرائيلي في العلاقات بين البلدين. لكن خبراء في قطاع الطاقة يستبعدون أن يؤدي اكتشاف "نرجس 2" إلى تحول فوري في هذه المعادلة. وقالت خبيرة الغاز الطبيعي جينا كوهين إن مصر تعاني عجزًا لا يقل عن 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ولذلك لن يكون لاكتشاف الحقل الجديد تأثير على مبيعات الغاز الإسرائيلي إلى مصر في الوقت الحالي. وأضافت: "إذا استطاعت مصر تقليص جزء من وارداتها من الغاز، فستفضل خفض واردات الغاز الطبيعي المسال LNG، الذي تدفع مقابله حاليًا سعرًا يزيد 4 مرات على سعر الغاز الذي تستورده من إسرائيل". وأشارت إلى أن حقل نرجس الحالي يُعد صغيرًا نسبيًا، إذ تقدر احتياطاته بنحو 2.5 تريليون قدم مكعب، أي قرابة 71 مليار متر مكعب، فيما لا يزال من غير المعروف مقدار الزيادة المحتملة في حجم الاحتياطات بعد نتائج الحفر الثاني. من جهته، رأى المدير العام لاتحاد الغاز الطبيعي في إسرائيل أمير فوستر أن الاكتشاف لن يؤثر في مبيعات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، وخصوصًا خلال السنوات المقبلة. ومن المقرر أن يشارك فوستر في الاجتماع السنوي للاتحاد الدولي للغاز في هونغ كونغ، حيث سيلتقي أيضًا الوفد المصري.