اعتبارًا من آب 2025، تاريخ بداية قرارات السلطة الحاكمة في لبنان بشأن حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وصولًا إلى آذار 2026 عندما أعلن مجلس الوزراء الحظر الفوري لأنشطة "حزب الله" الأمنية والعسكرية، مرّت أشهر عدة من دون أي تدابير عملية على الأرض تترجم القرارات الصادرة عن السلطة السياسية. فهل يمكن أن تشكّل قضية ضبط شحنة المتفجرات على طريق ضهر البيدر الحافز الذي يحرّك الإجراءات الميدانية لسحب كل سلاح غير شرعي، وهل اقترب موعد المواجهة بين الجيش اللبناني وعناصر "الحزب"؟ لا شكّ أن الضغوط السياسية الأميركية على السلطة في لبنان بشأن ضرورة حصر السلاح في تصاعد مستمر، في ظل تأييد غربي وعربي واسع لهذه الخطوة. لكن هذا الأمر لا يعني إطلاقًا أن الجيش اللبناني في طور الشروع في القيام بمداهمات أمنية بحثًا عن الأسلحة والذخائر على امتداد الجغرافيا اللبنانية، لأن أي خطوة في هذا الاتجاه تعني حتمًا وقوع مواجهة عسكرية لا يمكن التنبّؤ بنتائجها، بسبب رفض "حزب الله" المطلق لمسألة تسليم سلاحه. وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقسم من الجنوب، يمكن اختصار موقف قيادة الجيش من مسألة حصر السلاح على الشكل التالي: أولًا: في الجنوب، القوى العسكرية جاهزة للدخول إلى أي منطقة تخليها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتطبيق إجراءات مشددة لمنع إعادة أي نوع من الأسلحة والذخائر إليها. لكن التنفيذ يحتاج إلى مبادرة الجيش الإسرائيلي بخطوات عملية في هذا الاتجاه، الأمر الذي لم يتحقق حتى تاريخه، والتكهنات تشير إلى أنه لن يحصل في المستقبل القريب. ثانيًا: في الداخل اللبناني، القوى العسكرية لن تدخل في المدى المنظور بأي معارك من شأنها تعريض الوحدة الوطنية والسلم الأهلي لأي مخاطر. وهي ستبقى متأملة ببلورة تسوية داخلية على مستوى سياسي رفيع، من شأنها أن تمهّد الطريق للبدء بتطبيق خطة سحب السلاح سلميًا. وفي الانتظار، ستكتفي القوى العسكرية بالتحرك باتجاه مواقع محددة بناءً على استنابات قضائية أو معلومات استخبارية، من دون أن تبادر إلى القيام بمداهمات عشوائية واسعة النطاق بحثًا عن الأسلحة. ثالثًا: لا يعني ما سبق وجود نية بالتراخي إزاء الأمن، حيث إن الوحدات العسكرية جاهزة للتدخل بسرعة في مطلق أي منطقة في الداخل، لقطع الطريق على أي محاولات لإثارة الشغب أو لتحدّي أي قرارات قضائية أو للتسبب في احتقان طائفي أو مذهبي. وما حدث في منطقة "غاليري سمعان" ومحيطها أخيرًا يثبت جدّية هذا التوجه. وبالتالي، إن الجيش الذي يرفض أن يكون السبب في إراقة دماء لبنانية وتفجير الوضع داخليًا، يقف بكامل جاهزيته للتصدي لأي تحركات غوغائية على الأرض تعرّض أمن المواطنين للخطر والضرر. بالانتقال إلى مواقف كل من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ومجموعة واسعة من أعضاء الحكومة برئاسة نواف سلام، فهي تلتقي على أهمية حصر السلاح بيد الجيش والقوى الشرعية اللبنانية دون سواها، مع الدفع في الوقت عينه نحو محاولة تدوير الزوايا لتجنيب لبنان أي خضّات أمنية داخلية هو في غنى عنها. وانطلاقًا من الحرص نفسه على السلم الأهلي، ترفض السلطة محاولات لفلفة قضية المتفجرات تحت أي شعار، وهي تدفع نحو معرفة خلفيات الموضوع، لكن من دون الوصول إلى مرحلة التسرّع في إحالة الملف إلى المجلس العدلي، في محاولة جديدة للإبقاء على باب التواصل مفتوحًا – ولو بالحد الأدنى – مع "حزب الله"، ولقطع الطريق على اتخاذ المسألة ذريعة للقيام بأعمال شغب في الشارع في ظل الظروف الدقيقة التي تعيشها المنطقة. وهنا إشارة إلى أن القضية المذكورة صارت محور متابعة لصيقة من قبل العديد من الجهات الأجنبية، وتحوّلت إلى بالون اختبار لكيفية تصرف السلطة والحكومة إزاء الخروقات الأمنية والسلاح غير الشرعي، الأمر الذي يزيد من تعقيدها. في الخلاصة، لا مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين الجيش وعناصر "حزب الله" في المدى المنظور. لكن الأكيد أن الضغط السياسي من جانب السلطة الحاكمة على "الحزب" سيستمر، على الرغم من تصاعد اعتراضات هذا الأخير. وتطور الأمور في هذا المجال، سلبًا أم إيجابًا، مرهون بما سيحصل على مستوى جبهة الجنوب في المستقبل القريب، انطلاقًا من ارتدادات الصراع في الشرق الأوسط ككل، على لبنان. فذهاب الأمور إقليميًا نحو التهدئة والتسوية شيء، وذهابها نحو المواجهة والحرب شيء آخر. وبقاء "حزب الله" على الحياد في أي حرب ثالثة بين أميركا وإيران شيء، وانخراطه في أي حرب إسناد جديدة شيء آخر! وانتصار إيران والجماعات المسلحة الحليفة لها في أي معركة إقليمية مستقبلية شيء، وهزيمتها مع الحلفاء شيء آخر تمامًا! وعند وضوح الصورة الإقليمية والنتائج التي ستنجم منها، تصبح الصورة الداخلية وما سيرافقها من قرارات ميدانية أكثر وضوحًا بدورها.