تتقدّم أوروبا نحو اختبارٍ وجوديٍّ في هويّتها السياسيّة، وعقدها الاجتماعيّ، وموقعها الجيو-سياسيّ في نظامٍ دوليٍّ تتهاوى فيه مسلّمات الاستقرار، وتتصدّع فيه الضمانات التي حكمت العلاقات بين الدول والمجتمعات منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. ما يبدو في المشهد الأوروبيّ صعودًا لليمين القوميّ، وتراجعًا لليسار التقليديّ، وارتباكًا للقوى الوسطيّة، إنّما يكشف عن تحوّلٍ أعمق في البنية السيكولوجيّة للمجتمعات، وفي العلاقة بين المواطن/ة والدولة، وبين الانتماء الوطنيّ والمشروع الأوروبيّ، وصولًا إلى إعادة طرح السؤال المؤسّس حول قدرة الديموقراطيّة على حماية ذاتها من داخل آليّاتها، وقدرة دولة القانون على الصمود أمام نزعاتٍ سياسيّةٍ تستثمر القلق الاجتماعيّ والهاجس الهويّاتيّ في صراعٍ متدرّجٍ على السّلطة، يتجاوز الانتخابات إلى إعادة تعريف الشرعيّة نفسها. استطاعت أوروبا، الخارجة من دمار الحربَين العالميّتَين، أن تؤسّس إحدى أكثر التجارب السياسيّة تقدّمًا في المصالحة بين السيادة الوطنيّة والتكامل الإقليميّ، وبين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعيّة، وبين الخصوصيّات الثقافيّة والمواطنة الدستوريّة. كانت دولة القانون الضمانة التي أتاحت انتقال المجتمعات من منطق الغلبة التاريخيّة إلى انتظام التعدّديّة، ومن صراع القوميّات إلى التعاون المؤسّسيّ، ومن التفاوت الطبقيّ الحادّ إلى بناء منظومات الحماية الاجتماعيّة. غير أنّ هذا الإنجاز الحضاريّ، الذي أرسى شرعيّة المشروع الأوروبيّ لعقود، يواجه اليوم تصدّعاتٍ تتراكم تحت وطأة التحوّلات الاقتصاديّة والديموغرافيّة والأمنيّة، وتُنتج شعورًا متناميًا بأنّ المؤسّسات التي نجحت في حماية الحاضر لم تعد قادرةً بالفاعليّة نفسها على ضمان المستقبل. تكمن الإشكاليّة في أنّ الأزمة الأوروبيّة لم تعد محصورةً في قدرة الحكومات على إدارة النموّ والبطالة والتضخّم والهجرة، بل باتت تتّصل بقدرة الدولة على إعادة إنتاج الثقة بشرعيّتها الاجتماعيّة، وبقدرة الاتّحاد الأوروبيّ على التوفيق بين أولويّات السيادة الوطنيّة وموجبات التضامن المؤسّسيّ. المواطن الذي يختبر تراجع قدرته الشرائيّة، وارتفاع كلفة السكن، وتآكل ضمانات الاستقرار المهنيّ، وتفاوت فرص أبنائه في التعليم والعمل، لا يفصل بالضرورة بين هذه الاختلالات وبين التحوّلات الثقافيّة والديموغرافيّة التي يشهدها محيطه. وهكذا تتداخل الأزمة المعيشيّة مع القلق الهويّاتيّ، ويتحوّل الشعور بفقدان الأمان الاجتماعيّ إلى خشيةٍ من فقدان المكانة والانتماء، بما يمنح الخطابات السياسيّة القائمة على استعادة السيطرة والسيادة والحدود قدرةً استثنائيّةً على التعبئة. في القراءة السيكولوجيّة لهذا التحوّل، تبرز مسألة الحرمان النسبيّ بوصفها أحد المفاتيح التفسيريّة لسلوكٍ انتخابيٍّ لا يمكن اختزاله بالمؤشّرات الاقتصاديّة. فالمواطن/ة قد يتمتّع بمستوى معيشةٍ أفضل ممّا عرفته أجيالٌ سابقة، لكنّه يشعر بالتراجع عندما يقارن موقعه بما يعتبره حقًّا مكتسبًا، أو عندما يعتقد أنّ أبناءه لن يتمكّنوا من بلوغ المستوى الاجتماعيّ نفسه. يتعاظم هذا الشعور عندما تتراجع قدرة الأحزاب التقليديّة والنقابات والمؤسّسات الوسيطة على تحويل المطالب إلى سياساتٍ ملموسة، فيصبح الانتماء إلى جماعةٍ قوميّةٍ أو ثقافيّةٍ أكثر جاذبيّةً من الانتماء إلى مشروعٍ اجتماعيٍّ فقد قدرته على الإقناع. هنا تنتقل الهويّة من كونها عنصرًا تكوينيًّا في شخصيّة المجتمع إلى أداةٍ سياسيّةٍ لتعويض فقدان الثقة، ويصبح الخوف من الآخر تعبيرًا، في بعض الحالات، عن خوفٍ أعمق من المستقبل.على هذه الأرضيّة يتشكّل الصراع غير المُعلن بين اليمين واليسار على السّلطة، وهو صراعٌ يتجاوز التنافس على الأكثريّات البرلمانيّة إلى التنافس على تعريف الدولة والمجتمع والمصلحة العامّة. اليمين القوميّ، بتمايز تيّاراته، يعيد الاعتبار إلى مفاهيم السيادة والحدود والهويّة التاريخيّة، ويربط بينها وبين حماية الأمن والاستقرار الاجتماعيّ، فيما تواجه القوى اليساريّة تحدّي استعادة موقعها التقليديّ في الدفاع عن الطبقات العاملة والفئات المتوسّطة، بعد أن تراجعت قدرتها على الجمع بين العدالة الاقتصاديّة والتحوّلات الثقافيّة التي رافقت العولمة. أمّا القوى الوسطيّة والليبراليّة والمحافظة التقليديّة، فتجد نفسها أمام معضلة المحافظة على التوازنات الدستوريّة والتكامل الأوروبيّ، في وقتٍ تتراجع فيه جاذبيّة الخطاب الإصلاحيّ التدريجيّ أمام الوعود السياسيّة الحاسمة. اللافت أنّ الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار لم تعد واضحةً في جميع الملفّات، إذ تتقاطع تيّاراتٌ من الطرفَين في نقد العولمة الاقتصاديّة، والاعتراض على اختلالات توزيع الثروة، والمطالبة بحماية الإنتاج الوطنيّ، وإن اختلفت جذريًّا في تحديد أسباب الأزمة ووسائل معالجتها. كما أنّ ال