رفع انسحاب وزراء "القوات اللبنانية" من جلسة مجلس الوزراء الأخيرة يوم الخميس الماضي، احتجاجًا على عدم إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، وفقًا لطلب وزير العدل، حدّة الخلاف مع رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام. لكن رئيس الحزب سمير جعجع سارع إلى رسم سقف لهذا التصعيد، مؤكّدًا استمرار الشراكة مع الرجلين، ومستبعدًا الاستقالة في الوقت الراهن لغياب البديل. بهذا الموقف، أبقى جعجع المواجهة داخل الحكومة، حيث تصطدم "القوات" بمعادلة صعبة ومعقّدة، فهي تريد دفع السلطة إلى خطوات أكثر حسمًا تجاه "حزب الله"، لكنها لا ترى مصلحة في التخلي عن الموقع الذي يتيح لها التأثير فيها، ولذلك تتمسّك بالمشاركة في حكومة تعترض على بعض قراراتها. وفي المقابل، يمنح استبعاد الاستقالة عون وسلام مساحة لاستيعاب التصعيد، لكنه لا يبدّد الخلاف على كيفية ترجمة التوجّه المشترك إلى قرارات. من هنا، فإنّ النقاش الفعلي الذي تثيره جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، يتجاوز قضية المتفجرات بحدّ ذاتها، كما يتجوز احتمال بقاء "القوات" في الحكومة أو خروجها منها، ليطاول جدوى بقائها وقدرتها على التأثير. الأهم هو ما إذا كان البقاء يسمح بتغيير القرار، أو يجعل الشركاء يعتادون خلافًا لا تترتب عليه نتائج. فأي تأثير يستطيع تصعيد "القوات" أن يحققه، وإلى أين يمكن أن يصل إذا بقيت القطيعة خيارًا مستبعدًا؟ في جلسة الخميس، شدّد سلام على حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وطالب بملاحقة تخزين السلاح ونقله خارج الجهات الشرعية. لكنّ النتيجة التي أفضت إليها الجلسة كانت مواصلة التحقيق والبحث في طلب الإحالة مع تقدّم مراحله. وبذلك، لم يكن إعلان الالتزام بحصرية السلاح كافيًا لإنتاج موقف موحّد من الإجراء الذي طالبت به "القوات". فقد افترق الشركاء عند تحديد الخطوة التي تترجم المبدأ المشترك وتوقيتها. بالنسبة إلى "القوات"، فإنّ الإصرار على إحالة القضية إلى المجلس العدلي استند إلى المعنى السياسي الذي تحمله هذه الخطوة، وهو إظهار استعداد الدولة لاتخاذ قرار يعارضه "حزب الله". وحين لم يتحقق ذلك، اتّسع الاعتراض ليشمل طريقة ممارسة السلطة. وزاد جعجع هذا المعنى وضوحًا عندما اعتبر أن الإرادة السياسية لتفكيك الحزب غير متوافرة حاليًا، رغم تأكيده استمرار السير مع عون وسلام في الاتجاه نفسه. بذلك، ذهب جعجع أبعد من الاعتراض على توقيت إحالة قضائية، واضعًا الشريكين أمام تشكيك في القدرة على ترجمة التوجهات المشتركة. وهنا تكمن صعوبة العلاقة: كيف يستمر الرهان على قيادة سياسية مع التشكيك علنًا في استعدادها لاتخاذ الخطوات التي يراها الحزب ضرورية؟ قدّم جعجع تفسيرًا مباشرًا لاستمرار المشاركة، حين استبعد الخروج من الحكومة في الوقت الراهن لغياب البديل، إذ ربط البقاء باستمرار خطّها العام ضمن الحدود التي يقبلها حزبه. ويعني ذلك أن "القوات" ما زالت تعتبر العمل من الداخل أجدى من الانتقال إلى المعارضة. فالمشاركة تمنحها موقعًا في صناعة القرار وإدارة وزارات تستطيع أن تُحاسَب على نتائجها. بمعنى آخر، فإنّ "القوات" تعتبر أنّ كلفة مغادرة الحكومة تفوق كلفة تحمّل الخلاف معها. ولعل هذا الحساب يفسّر الجمع بين الانسحاب من جلسة والاستمرار في الحكومة. فالانسحاب يسجّل الاعتراض ويحمي تمايز الحزب أمام جمهوره، مع الاحتفاظ بموقعه داخل السلطة. لكن لهذا الخيار كلفة أيضًا. فكلما ارتفع سقف انتقاد الحكومة، ازدادت حاجة الحزب إلى تفسير ما يحققه بقاؤه فيها، وما يستطيع تغييره بعد الاعتراض. بهذا المعنى، فهو يكشف أيضًا حدود الضغط، فعندما تكون الاستقالة مستبعدة، يصبح تعديل القرار مرتبطًا بتأمين تأييد وزاري للمطالب، أو برفع كلفة تجاهلها سياسيًا وشعبيًا. لذلك، لا تكمن قوة التصعيد في ارتفاع نبرته وحده، إذ يتوقف أثره على قدرة "القوات" على جعل استمرار الخلاف مكلفًا لشريكيها، مع إقناعهما بأن الاستجابة لمطالبها ممكنة. وهذه مهمة أصعب من إعلان الرفض، لأن عون وسلام يوازنان بين هذا الضغط وضغوط أخرى يتعين عليهما التعامل معها. مساحة للاحتواء وكلفة للتجاهل حين يعلن جعجع أن الخروج غير وارد حاليًا، يستطيع عون وسلام التعامل مع الاعتراض بوصفه خلافًا يمكن احتواؤه داخل الشراكة. ويتسع هامشهما في اختيار التوقيت والخطوات، ما دام الحزب يفضّل الاستمرار معهما. غير أن هذا الهامش لا يجعل دعمه مضمونًا في كل ملف، فـ"القوات" تستطيع البقاء في الحكومة مع توسيع انتقادها لأدائها، بما يضعف صورة التوافق حول مسارها. وتفسّر المواقف العلنية جانبًا من اختلاف الحسابات. فقد جمع عون، قبل الجلسة، بين التفاوض لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وبين التشديد على الوحدة الداخلية، فيما أكّد سلام وجوب ملاحقة السلاح خارج الشرعية. ويمكن قراءة ذلك بوصفه سعيًا إلى تطبيق التوجه