يبدو أن السيادة في لبنان باتت تخضع لمعايير مزدوجة، وأن الأحزاب التي ترفع لواء الدفاع عنها تختار معاركها بعناية. ففيما استنفرت الدولة، ومعها القوى السياسية التي تصف نفسها بـ"السيادية"، لبحث إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، لم نشهد استنفاراً مماثلاً حيال قضية خطف علي كيالي من قلب المنصورية، التي نُسب تنفيذها إلى أجهزة الاستخبارات السورية والتركية، وسط إقرار سوري وتركي بالتعاون في العملية، وإشادة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بها. في 22 تشرين الأول، تحوّل ملف المتفجرات إلى معركة سياسية داخل مجلس الوزراء، بلغت حد انسحاب وزراء "القوات اللبنانية" احتجاجاً على عدم إقرار الإحالة الفورية إلى المجلس العدلي. كما أعلن حزب الكتائب تأييده الإحالة، في مشهد عكس حجم الاستنفار السياسي الذي رافق القضية. لكن أين هذا الاستنفار عندما يتعلق الأمر باحتمال اختراق أجهزة استخبارات أجنبية للأراضي اللبنانية وخطف شخص منها؟ فقضية كيالي ليست مجرد رواية إعلامية عابرة، إذ نقلت تقارير عن مصدر أمني لبناني اتهامه الاستخبارات السورية والتركية بخطف الرجل من المنصورية ونقله إلى سوريا من دون علم السلطات اللبنانية، في مقابل روايات سورية مختلفة حول ظروف توقيفه. وهنا يبرز السؤال المحرج للدولة وللأحزاب "السيادية" تحديداً: أين البيانات النارية؟ أين المطالبات بجلسة حكومية؟ وأين الدعوات إلى استدعاء السفراء ومساءلة الجهات التي يُشتبه بأنها نفذت العملية؟ ولماذا لم تتحول هذه القضية إلى معركة سياسية وقضائية بالزخم نفسه الذي شهدناه في ضهر البيدر؟ لا أحد يطالب بحماية كيالي من الملاحقة على الجرائم الخطيرة المنسوبة إليه، ولا بالتساهل مع شحنة متفجرات تهدد أمن اللبنانيين. لكن محاسبة المطلوبين شيء، والسماح بتحويل لبنان إلى ساحة لعمليات استخباراتية أجنبية خارج القانون شيء آخر تماماً. والأكثر إثارة للاستغراب أن الجهات التي لا تتوقف عن الحديث عن السيادة وحصرية سلطة الدولة لم تضع قضية المنصورية في صدارة خطابها، بالحدة نفسها التي اعتمدتها في ملف المتفجرات. فهل السيادة مبدأ ثابت، أم شعار يرتفع في مواجهة طرف ويتراجع عندما يصبح المطلوب مساءلة دولة أجنبية؟ صحيح أن القضاء اللبناني فتح تحقيقاً في قضية كيالي، لكن التحقيق القضائي لا يعفي الحكومة والقوى السياسية من واجب المطالبة بكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات، خصوصاً إذا ثبت تنفيذ عملية أمنية أجنبية داخل الأراضي اللبنانية. لقد أشغلونا بمتفجرات ضهر البيدر، وهو ملف يستحق المحاسبة بلا شك، لكنهم لم يفسروا للبنانيين لماذا لم يستحق خطف شخص من قلب المنصورية الاستنفار السياسي نفسه. فإذا كانت السيادة لا تتجزأ، فلماذا بدا صوت المدافعين عنها مرتفعاً في ضهر البيدر، وخافتاً إلى هذا الحد في المنصورية؟ أم أن بعض الأحزاب تتذكر السيادة عندما يكون الخصم في الداخل، وتنسى شعاراتها عندما تتجه أصابع الاتهام إلى أجهزة استخبارات خارجية؟