تترسّخ، يوماً بعد آخر، قناعة بأن المنطقة تتّجه نحو حرب جديدة، لن يكون لبنان بالضرورة بمنأى عن تداعياتها، وربما عن المشاركة فيها. ولم تعد هذه الخشية مجرّد استنتاج مبني على التصعيد العسكري والسياسي، بل باتت تجد ما يعزّزها في كلام الموفدين والدبلوماسيين الذين توافدوا إلى بيروت خلال الفترة الماضية، أو أولئك المعتمدين فيها. ولعلّ التحذير من «الأيام العشرة الخطيرة»، الذي استند إلى كلام سُمع من رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، يشكّل أحد أبرز المؤشرات إلى طبيعة المناخ السائد. وفي موازاة هذه التحذيرات، برز اهتمام خارجي متزايد باستطلاع موقف حزب الله من أي مواجهة إقليمية محتملة، وتحديداً في حال قرّرت إسرائيل أو الولايات المتحدة شنّ حرب على إيران. وبحسب المعطيات، فإن ثلاث شخصيات على الأقل، هي رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية الفرنسي والأمين العام لجامعة الدول العربية، أبدت اهتماماً بمعرفة القرار الذي قد يتّخذه الحزب إذا ما انزلقت المنطقة إلى مواجهة واسعة. غير أن الحزب، وفق ما يظهر من طريقة تعاطيه مع هذه الاتصالات، ليس في وارد تقديم أجوبة مسبقة أو منح أي طرف تعهّدات تتعلّق بسلوكه العسكري. فهو يتعامل مع المسألة انطلاقاً من قاعدة مفادها أن القرار يُتّخذ عند وقوع الحدث وبعد درسه، لا استباقاً له. وحين التقى رئيس الوزراء القطري رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة»، النائب محمد رعد، حاول المسؤول القطري استيضاح موقف الحزب من أي جولة حرب مقبلة. لكن الحزب لم يقدّم جواباً حاسماً، بل أثار موقفه أسئلة إضافية من دون أن يبدّد الغموض المحيط بها، أو يمنح أي التزام. والأمر نفسه انسحب على علاقته بالسلطة اللبنانية، إذ لم يذهب إلى تقديم أي تطمينات بشأن سلوكه في المرحلة المقبلة. بل إن ما فُهم من موقفه كان أقرب إلى تأكيد استمراره في نشاطه العسكري، على النحو الذي كان قائماً قبل حرب 2 آذار، وربط هذا النشاط بالضرورات التي يفرضها استمرار الاحتلال الإسرائيلي. والأبعد من ذلك أن الحزب بدا متشدّداً في مقاربته، تاركاً لدى محاوريه انطباعاً بأنهم لا يتعاملون مع حزب مشلول أو مهزوم، بل مع طرف يتصرّف بمنسوب مرتفع من الثقة بالنفس والقوة، ويرفض التسليم بالمعادلات التي يحاول الآخرون فرضها عليه. هذا الغموض المتعمّد، الذي يحيط به الحزب موقفه من الحرب، أثار مخاوف لدى أطراف داخلية وخارجية، ودفعها إلى تكثيف الاتصالات معه، ومحاولة إسداء النصائح والتحذير من كلفة الانخراط في أي مواجهة جديدة. فسواء شارك الحزب في الحرب بقرار ذاتي، أو وجد نفسه مدفوعاً إليها بفعل عدوان إسرائيلي، فإن النتيجة السياسية بالنسبة إلى السلطة قد تكون واحدة: ظهورها بمظهر العاجز عن احتواء سلاحه، أو الإقرار بأنها عجزت طوال الفترة الماضية عن تحقيق ما طُلب منها. وعندها، قد تجد نفسها أمام مساءلة من دول الوصاية. لكن السؤال عن موقف الحزب لا يمكن فصله عن سؤال آخر لا يقلّ أهمية: ما طبيعة الحرب المقبلة، وما الأهداف التي قد تسعى إسرائيل إلى تحقيقها تحت غطائها؟ خلال زيارته بيروت، أبلغ معاون وزير الخارجية الإيرانية، السيد سعيد خطيب زاده، خلال لقاءات رسمية وغير رسمية، بأن إيران ليست في وارد أن تطلب من الحزب الدخول أو عدم الدخول. وهي لا تحتاج إسناده. وأكد بأن طهران لا تملي على الحزب شؤوناً كهذا، بل تعود إليه أحياناً للإستشارة بحكم خبرته، وهو يعود إليها للإستشارة أيضاً. فهم أن موقفه جاء في معرض تهدئة خوف السلطة! حتى الآن، لا تتوافر تقديرات حاسمة بشأن المسار الذي قد تسلكه الأمور إذا اندلعت حرب على إيران. لكن الكلام المتداول عن أن الجولة المقبلة ستكون مختلفة بالنسبة إلى حزب الله ينطلق من اعتبار أن المواجهة قد تكتسب طابعاً مصيرياً، بما يفرض على الحزب امتلاك رؤية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. وفي هذا السياق، يصعب افتراض أن الحزب سيذهب إلى الحرب لمجرّد المشاركة فيها، أو انطلاقاً من اعتبارات الإسناد وحدها. فقرار من هذا النوع لن يكون منفصلاً عن طبيعة التهديدات الإسرائيلية، وحجم الأهداف التي قد تسعى تل أبيب إلى تحقيقها. فإذا قرّرت إسرائيل استغلال الحرب الإقليمية لتجاوز ما يسمى الخط الأصفر، كما توحي تصريحات مسؤوليها، فهل يكون في مقدور الحزب الاكتفاء بالمراقبة؟ في حالة كهذه، قد تصبح كلفة الصمت أعلى من كلفة المواجهة. في المقابل، لا يبدو منطقياً أن يندفع الحزب إلى جولة جديدة تحت عنوان «الإسناد» أو تحسين شروط موقعه الراهن، في وقت تترقّب فيه إسرائيل أي خطوة عسكرية من جانبه لتوظيفها في مشروع أوسع. ومن هنا، فإن مقاربة خيارات الحزب لا تحتمل اختزالها في ثنائية المشاركة أو عدم المشاركة، بل تستدعي النظر إلى طبيعة الحرب وأهدافها والظروف التي قد تفرض عليه خوضها. كذلك، لا يصحّ اعتماد حرب 28 ش