قد يوحي مجرد الاطلاع على عنوان هذا المقال الاقتصادي، الذي يستند إلى مقاربات تاريخية ووقائع وأرقام، بأن فيه شيئاً من المبالغة في توصيف حجم الكارثة التي أصابت القطاع المصرفي اللبناني. لكن الحقيقة قد تكون أكثر قسوة مما يوحي به العنوان، إذ إن العودة بالاقتصاد اللبناني 170 عاماً إلى الوراء قد تكون السيناريو الأكثر تفاؤلاً في توصيف ما آلت إليه الأمور! ولا يُلام من يرى في هذا العنوان شيئاً من المغالاة. فقبل عام 2019، لم يكن أحد ليتخيّل أن يأتي يوم تصبح فيه مليارات الدولارات مخبأة داخل المنازل اللبنانية، بعيداً عن المصارف التي لطالما شكّلت أحد أبرز أعمدة الاقتصاد الوطني. فعلى مدى عقود، كانت التقارير تشيد بمتانة القطاع المصرفي اللبناني، الذي بدا وكأنه يغرد خارج سرب الاقتصاد، مستقطباً الودائع بمليارات الدولارات، ومموّلاً الأفراد والمؤسسات، فيما كانت قطاعات اقتصادية أخرى تعاني أزمات متلاحقة. ولم تتوقف الإشادات عند المصارف، بل طالت حاكم مصرف لبنان آنذاك، رياض سلامة، الذي حصد جوائز وتكريمات دولية، وقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك عام 2009، ثم جرس بدء التداول في بورصة لندن عام 2012. والمفارقة أن الإشادات الدولية استمرت حتى عشية الانهيار، إذ منحته مجلة Global Finance تصنيف A في أيلول 2018، وكرّرت منحه التصنيف نفسه عام 2019، سنة انفجار الأزمة المالية والنقدية! ومن ينسى عبارة “الليرة بخير” التي لطالما ردّدها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة؟ أو الحملات التي روّجت لقوة العملة الوطنية، ومنها جلسة التصوير التي شاركت فيها الممثلة ستيفاني صليبا، صديقة رياض سلامة، تحت شعار “ليرتنا قوّتنا”، وظهرت في إحدى صورها متوّجة بالليرات اللبنانية، معلّقة بعبارة “ليرتنا تاج راسنا”، في محاولة لترسيخ الثقة بالعملة الوطنية في أذهان اللبنانيين؟ ومن ينسى ما كان يُقال عن قوة الليرة اللبنانية، التي صمدت في وجه أزمات كثيرة، أبرزها حرب تموز عام 2006، وأزمة احتجاز رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في السعودية عام 2017؟ نعم، كان المشهد جميلاً، بل جميلاً جداً في ظاهره. وكانت المصارف تبدو حصناً منيعاً، والليرة عنواناً للاستقرار، والثقة بالقطاع المصرفي أمراً يكاد يكون من المسلّمات. لكن مع حلول ليلة 17 تشرين الأول 2019، بدأت فصول مشهد مختلف تماماً. وما إن اندلعت الاحتجاجات، وأقفلت المصارف أبوابها، ثم فُرضت قيود على سحب الودائع، حتى انقلبت الصورة رأساً على عقب، وانكشفت تدريجياً حقيقة أزمة مالية ومصرفية كانت تتراكم منذ سنوات. وكان وقع هذه الكارثة على اللبنانيين، ولا سيما أصحاب الودائع، صادماً ويصعب وصفه. فبين ليلة وضحاها، وجد كثيرون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى جنى أعمارهم، فيما بقيت المسؤوليات تتقاذفها السلطة السياسية والسلطة النقدية والمصارف، من دون أن يستعيد المودعون حقوقهم. وهكذا، وصلنا في عام 2026 إلى مشهد لم يكن أحد ليتخيّله قبل سنوات: مليارات الدولارات، وفق تقديرات متداولة، لا تزال مخبأة داخل المنازل اللبنانية، بعدما بات أصحابها يفضّلون الاحتفاظ بها بعيداً عن المصارف. ولكن، هل لكم أن تتخيّلوا أن فكرة إيداع الأموال لدى جهات موثوقة لحفظها تعود جذورها إلى آلاف السنين؟ ففي بلاد ما بين النهرين، قبل نحو أربعة آلاف عام، كانت المعابد والقصور تؤدي بعض الوظائف التي تشبه العمل المصرفي، من حفظ الثروات وتوثيق المعاملات إلى منح القروض. أي إن الإنسان عرف منذ العصور القديمة ممارسات تقوم على حفظ الممتلكات والثروات لدى جهات خارج منزله. وفي إنجلترا، خلال القرن السابع عشر، وتحديداً نحو عام 1640، كان الناس يلجأون إلى صاغة الذهب لإيداع أموالهم وذهبهم وفضتهم في أماكن آمنة، بهدف حمايتها من السرقة، مقابل إيصالات تثبت ملكيتهم لها وحقهم في استردادها. ومع مرور الوقت، لاحظ الصاغة أن الأموال والمعادن الثمينة تتكدّس لديهم، وأن أصحاب الودائع لا يطالبون باستردادها جميعاً في الوقت نفسه، ما دفعهم إلى استخدام جزء منها في الإقراض مقابل فوائد. ومن هنا، بدأت وظيفة هذه الجهات تتطور من مجرد حفظ الأموال والمقتنيات الثمينة إلى توظيف الودائع وتمويل النشاط الاقتصادي، في إحدى أبرز المحطات التي ساهمت في نشأة العمل المصرفي الحديث. ولا يسعني، أمام هذا المشهد، إلا أن أستعيد ما تعلمته على مقاعد الجامعة، خلال دراستي لاختصاص العلوم المصرفية والمالية (Banking and Finance)، عن بدايات العمل المصرفي عبر التاريخ. فالفكرة في أساسها كانت بسيطة للغاية: كان الناس يودعون أموالهم لدى جهات موثوقة بهدف حفظها، قبل أن يلاحظ القائمون على هذه الودائع أن الأموال تتكدّس لديهم، وأن أصحابها لا يطالبون باستردادها جميعاً في الوقت نفسه. ومن هنا تطورت فكرة توظيف جزء من هذه الأموال في الإقراض، وصولاً إلى تطور العمل المصرفي بصورته التي نعرفه