بدأت بوادر أزمة إنسانية جديدة تلوح في الأفق في قطاع غزة، وتهدد بمجاعة، بسبب تقنين الاحتلال الإسرائيلي أعداد الشاحنات التجارية الواردة إلى القطاع عبر المعابر، وبسبب تشديد القيود على السلع المسموح بدخولها إلى القطاع. وظهرت الأزمة في اختفاء العديد من السلع الأساسية من الأسواق، وفي مقدمتها الدقيق والخضروات، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها أكثر من السابق، وأدخل السوق المحلية في أزمة حقيقية انعكست بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين النازحين، الذين ما زالوا يعانون من تداعيات الحرب المدمرة. وفي ظل هذا النقص، بدأت أعداد كبيرة من المخابز في غزة العمل بشكل جزئي خلال الأيام الماضية، نتيجة شح الدقيق في الأسواق والمخازن، الأمر الذي انعكس على ساعات تشغيلها وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين. ويشكو أصحاب المخابز من نقص كميات الدقيق اللازمة لتشغيلها، إذ تحتاج هذه المخابز إلى أطنان من الدقيق يوميًا حتى تتمكن من تغطية احتياجات أكبر عدد ممكن من المواطنين، الذين احتشدوا أمام أبوابها مع انتشار الأخبار عن قرب توقف عدد منها عن العمل. وفي دير البلح، يعكس حال أحد المخابز حجم الأزمة المتفاقمة. إذ أكد «أبو العبد»، صاحب مخبز بلدي، أنه لن يتمكن من تشغيل مخبزه خلال الأيام المقبلة إذا استمرت الأزمة، مشيرًا إلى أن كمية الدقيق المتبقية في مخزنه لا تكفي سوى ليوم واحد من العمل. ولا تقتصر تداعيات نقص الإمدادات على الأفران وحدها، إذ امتدت الأزمة إلى أسواق الخضروات، التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، بالتزامن مع تراجع وارداتها عبر المعابر نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة البضائع. ويعزو عدد من التجار هذا الارتفاع إلى غياب التنسيق اللازم لدخول شاحنات الخضروات إلى القطاع، فضلًا عن العراقيل التي تحول دون انتظام حركة الواردات. وبالتوازي مع ذلك، بدأت المؤسسات التي تقدم الخدمات الغذائية تواجه هي الأخرى صعوبات متزايدة في تلبية احتياجات المواطنين. ويقول رامي، أحد القائمين على تكية المخيم الجديد في النصيرات، إن تقليص الخدمات المقدمة من برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب فصل عدد من موظفيه، وصولًا إلى تقليص المساعدات المقدمة لآلاف الأسر في غزة، أسهم في تفاقم الأزمة وتعميقها. ويرى رامي أن إغلاق الاحتلال للمعابر وتقييد حركة السلع الواردة إلى القطاع أسهما في تعميق أزمة الغذاء، معتبرًا أن هذه السياسات تؤدي إلى تفاقم المجاعة في غزة، وهو ما يرى أنه يتقاطع مع ما يسعى الاحتلال إلى فرضه على القطاع منذ وقف إطلاق النار. ومن جهة أخرى، تتزايد مخاوف المواطنين من انعكاسات أي إغلاق جديد للمعابر على توفر المواد الغذائية وأسعارها. ويقول محمد، أحد سكان المخيمات الأكثر احتياجًا في غزة، إن الأخبار المتعلقة بإغلاق المعابر تزيد من احتمالات تفاقم أزمة الغذاء، مطالبًا المجتمع الدولي والحكومات بالتدخل والعمل على ضمان إدخال الدقيق والمواد الغذائية الأساسية إلى القطاع. أما نزار، فيستحضر سنوات الحرب وما رافقها من أزمات غذائية، موضحًا أن إغلاق المعابر ولو لأيام معدودة أصبح كفيلًا بإحداث أزمة في الأسواق، ودفع أسعار السلع إلى الارتفاع بشكل مضاعف بمجرد انتشار أنباء عن توقف حركة المعابر. في المقابل، يحاول القطاع الخاص تهدئة المخاوف المتزايدة بشأن استمرار الأزمة. فقد صرح رئيس لجنة الطوارئ للقطاع الخاص، محمد أبو وردة، بأن المعبر سيعمل خلال الأيام المقبلة، مؤكدًا أن حالة عدم الاستقرار والارتفاع الكبير في الأسعار ارتبطا بعدم انتظام العمل في معبر كرم أبو سالم. وأوضح أبو وردة أن سلطات الاحتلال تواصلت مع عدد من التجار وأبلغتهم بعودة العمل في المعبر، الأمر الذي من شأنه، بحسب تقديره، أن يسهم في إنهاء حالة النقص الحالية واستعادة قدر من الاستقرار في الأسواق. هذه الأزمة لا تبدو منفصلة عن نمط مستمر من عدم الاستقرار في حركة إدخال السلع إلى القطاع. فمنذ بداية وقف إطلاق النار في قطاع غزة، استمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تقنين إدخال السلع والإغلاق المفاجئ للمعابر بين حين وآخر، ما أدى إلى استنزاف السوق المحلية، وتكرار موجات ارتفاع الأسعار، وأبقى حركة السلع وأسعارها في حالة من عدم الاستقرار. في ظل استمرار أزمة القمح وارتفاع أسعار الخضروات وتراجع كميات السلع الواردة إلى القطاع، تزداد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، خصوصًا مع إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف مستفيد، بسبب الضائقة المالية التي يواجهها. ويزيد هذا القرار من تعقيد الوضع الإنساني المتدهور أصلًا، لا سيما أن هذه المساعدات الدورية تتضمن أكياسًا من الدقيق ومواد غذائية أساسية تعتمد عليها آلاف الأسر في القطاع، ما يهدد بمزيد من اتساع رقعة الاحتياج في وقت يعاني فيه سكان غزة أصلًا من تداعيات الحرب ونقص الغذ