في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، تختفي مليارات الدولارات من الأموال المخصصة لاستيراد الوقود، بينما ينتظر المواطنون أمام محطات التوزيع للحصول على احتياجاتهم. تلك هي المفارقة التي تواجهها ليبيا، حيث تحوّل الدعم الحكومي للمحروقات إلى مصدر أرباح ضخمة لشبكات التهريب، وسط تساؤلات عن الجهات المستفيدة وقدرة السلطات على وقف استنزاف الثروة النفطية. وتكشف أحدث الأرقام حجم الخسائر. فقد أعلنت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 تشرين الأول/أكتوبر، أن البلاد استوردت نحو 8.15 ملايين طن من الوقود بين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر، بكلفة بلغت 8.9 مليارات دولار. وقدّرت أن ما بين 30 و50 في المئة من هذه الواردات يذهب إلى التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليارات دولار. وتتسق هذه الأرقام مع تقديرات الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم شيباني، الذي يوضح لـ"النهار" أن فاتورة استيراد المحروقات بلغت نحو 4 مليارات دولار خلال عامي 2020 و2021، قبل أن ترتفع بنحو 60 في المئة منذ عام 2022، وصولاً إلى نحو 9 مليارات دولار، متوقعاً زيادة جديدة مع نهاية العام الجاري. ويشير شيباني إلى أن نحو 40 في المئة من الديزل المستورد يُستخدم في توليد الكهرباء، بما يكشف حجم الضغط الذي تفرضه فاتورة الوقود على الموارد العامة. وتنعكس هذه الخسائر مباشرة على المواطنين، الذين يواجهون نقص الإمدادات وطوابير الانتظار، رغم المليارات التي تنفقها الدولة على الاستيراد والدعم. وتوفر الفجوة الكبيرة بين الأسعار المدعومة محلياً والأسعار في الأسواق المجاورة حافزاً لإعادة بيع الوقود خارج البلاد، فتتحول الأموال المخصصة لتخفيف الأعباء المعيشية إلى مصدر لتمويل تجارة غير مشروعة. يؤكد الخبير النفطي الليبي عثمان الحضيري، في حديث لـ"النهار"، أن تهريب الوقود يعكس "خللاً بنيوياً في إدارة المال العام ومنظومة الدعم والرقابة"، في ظل إنفاق مليارات الدولارات على الاستيراد، بينما يُهدر جزء كبير منها عبر شبكات منظمة، في وقت تعاني فيه مناطق عدة من شح الإمدادات وانقطاعات الكهرباء لفترات طويلة. وتتجاوز الظاهرة عمليات التهريب التقليدية عبر الحدود. ويشير شيباني إلى أن تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة كشفت عن إعادة تصدير محروقات مستوردة عبر الموانئ الليبية باستخدام شهادات منشأ ليبية، بما يعكس وجود منظومة منظمة لإخراج الوقود من البلاد. وكان تقرير فريق الخبراء الأمميين الصادر في آذار/مارس قد وثّق استخدام شهادات منشأ مزوّرة أو غير صالحة في عمليات تصدير غير مشروعة لمنتجات نفطية، فضلاً عن نشاط شبكات تعمل عبر موانئ بنغازي وطبرق ورأس لانوف. ويوضح الحضيري أن هذه الأنشطة تتغذى على الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعومة محلياً والأسعار الإقليمية والدولية، إضافة إلى الثغرات الممتدة على طول سلسلة الإمداد، بدءاً من موانئ الاستيراد وصولاً إلى محطات التوزيع، في ظل غياب آليات دقيقة لمطابقة الكميات وتتبع الشحنات إلكترونياً. وتدرك السلطات الليبية خطورة الظاهرة منذ سنوات. فقد ربط رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أزمة الوقود بعمليات التهريب في مناسبات عدة، ودفع باتجاه تشديد الرقابة منذ مرحلة الاستيراد وحتى وصول الإمدادات إلى المستهلك. كذلك أعلن وزير الداخلية عماد الطرابلسي إجراءات متكررة لملاحقة المهربين وإغلاق المحطات المتورطة. وفي شباط/فبراير ، أعلن إغلاق 490 محطة وقود مرتبطة بأنشطة التهريب، لكن استمرار الأزمة يطرح تساؤلات عن فعالية الإجراءات الأمنية وحدود قدرتها على تعطيل الشبكات المستفيدة. ويرى الحضيري أن خطورة الظاهرة تكمن في ارتباطها بشبكات مصالح تتداخل فيها عوامل اقتصادية وأمنية وإدارية، مؤكداً أن مواجهتها تتطلب استهداف كامل سلسلة الإمداد، والوصول إلى الرؤوس المدبرة والمستفيدين الحقيقيين، بدلاً من الاكتفاء بحراسة الحدود والحملات الأمنية. ويذهب شيباني إلى أن المشكلة ترتبط أيضاً بضعف قدرة "سلطة الأمر الواقع" على السيطرة على التوزيع الداخلي ومكافحة التهريب، مشيراً إلى استفادة مجموعات مسلحة من هذه الأنشطة في تمويل نفقاتها والحفاظ على نفوذها. رجل يملأ غالوناً بالبنزين في محطة وقود بالعاصمة الليبية طرابلس، وسط أزمة نقص المحروقات وانقطاع الكهرباء، 14 أيلول/سبتمبر 2026. (رويترز) تزداد خطورة هذه الممارسات مع استمرار اعتماد ليبيا على استيراد معظم احتياجاتها من الوقود. ويشير شيباني إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نحو 20 في المئة من الاحتياجات، فيما تُستورد النسبة المتبقية. ويعني ذلك أن ارتفاع فاتورة المحروقات يستنزف جزءاً متزايداً من الموارد التي تجنيها الدولة من تصدير النفط الخام، ويقلّص الأموال المتاحة لتمويل الخدمات والإنفاق العام.