حين كانت رحى الحرب العالمية الثانية تدور على الأراضي الأوروبية، بدت الأصوات الانعزالية طاغية على الرأي العام الأميركي. تغير الوضع عقب هجوم بيرل هاربور في 7 كانون الأول/ديسمبر 1941. ما بعد هذا التاريخ لم يعد كما قبله. في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرّضت إسرائيل لهجوم "بيرل هاربور" الخاص بها، مع العلم أنه وعند المقارنة بين عدد السكان، كانت خسائر إسرائيل أكبر بأشواط من الخسائر الأميركية. بالمسار نفسه تقريباً، ومهما تغيّرت وجوه الحكم في إسرائيل بعد انتخابات الكنيست، ستحافظ السياسة الخارجية لتل أبيب على المسار نفسه الذي انطلق بعد 7 أكتوبر، بالحدّ الأدنى، خلال الأعوام القليلة المقبلة. في الواقع، قد يفسح الرحيل المحتمل لرئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن المشهد السياسي مجالاً أوسع لتشدد أكبر. ربما يحصل ذلك، بشكل جزئي، كي يثبت القادة الجدد أنهم بالفعل أكثر حسماً في الملف الأمني من زعيم حزب "الليكود". وفي جميع الأحوال، لا يُخفي أبرز معارضي نتنياهو مزايداتهم الأمنية خلال تصريحاتهم. رئيس حزب "يشار" (النزيه) الجنرال غادي آيزنكوت تعهّد إنهاء حكم "حماس" في قطاع غزة خلال 18 شهراً من استلامه السلطة. صحيح أن الكلام يأتي وسط الدعايات الانتخابية المحمومة، لكن ذلك لا يتعارض مع قناعته الشخصية. في نهاية المطاف، خسر آيزنكوت نجله غال (25 عاماً) بينما كان يقاتل في مخيم جباليا في 7 كانون الأول 2023. وجاءت متابعته المعترك السياسي بعد هذه الحادثة لأنه يريد أن يكون "أهلاً للثمن الباهظ" الذي دفعه نجله، كما قال. الفرق هنا مع نتنياهو قد يكون في كيفية تنفيذ السياسات المتشددة. هل سيصغي إلى الأميركيين والأوروبيين إذا طالبوه مثلاً بوقف أو حتى بخفض وتيرة الحرب؟ غادي آيزنكوت لدى إطلاق حملته الانتخابية أواخر حزيران/يونيو 2026. (أ ب) بحسب مقابلته مع "تايمز أوف إسرائيل" مطلع تشرين الأول، يبدو آيزنكوت مصمماً على نزع سلاح "حماس" بالكامل. بالتوازي، تحدث عن إسرائيل بصفتها داعمة لسياسات أميركا تجاه إيران "بشكل متشدّد"، كما داعمة لمقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السلام في قطاع غزة، "إنما (بالانطلاق) حصراً من موقف قوة، ومن الشرط الأساسي المطلق بالنزع الكامل لسلاح حماس". في الوقت نفسه، عارض السياسات الاستيطانية لحكومة نتنياهو في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ("أ" و"ب")، حيث وصف السياسات العدوانية للمستوطنين بـ"الإرهابية". إذاً، يرغب آيزنكوت نظرياً في التقرب من الغرب، استناداً بشكل جزئي إلى مسعاه باتجاه جعل إسرائيل عضواً في "مجتمع الأمم". لكن خلال حملته الانتخابية، استشهد آيزنكوت بتنفيذه "عقيدة الضاحية الجنوبية" التي قضت بالاستهداف الموسع وغير المتماثل للبنى التحتية الداعمة لـ"حزب الله"، بما فيها تلك المدنية، رداً على هجماته. بينيت أكثر تشدداً من نتنياهو نفسه؟ لم يستبعد آيزنكوت حل التعامل مع إيران بالقوة لمنعها من الحصول على القنبلة النووية، إذا لم يحصل ذلك بـ"ترتيب" مناسب مع الأميركيين. لكن كيفية تقييم زعيم حزب "يشار" لاتفاق أميركي "سيئ" مع إيران هي أمر يستحق المتابعة. بحسب "جيروزاليم بوست"، من المرجح أن يعارض نتنياهو اتفاقاً سيئاً بشكل علني، بغية التأثير على الرأي العام الأميركي، بعكس معارضة آيزنكوت التي ستنحصر على العموم في الدوائر المغلقة. في الوقت نفسه، توقعت الصحيفة أن يكون نتنياهو مستعداً للتضحية بجميع علاقاته مع الغرب بل مع أميركا نفسها، للحفاظ على موقفه المتشدد. لكن آيزنكوت لن يكون وحيداً في وضع وتنفيذ السياسات العامة، إذا نجح في تشكيل الحكومة المقبلة (على افتراض فوزه في الانتخابات). سيكون على الأرجح محاطاً بمتشددين آخرين من الأحزاب الأربعة الأخرى التي وقع معها "ميثاق عدم تهجّم" في أيلول/سبتمبر الماضي، وهي كلها يمينيّة باستثناء "حزب الديموقراطيين" بقيادة يائير غولان. على سبيل المثال، يريد أفيغدور ليبرمان (حزب "إسرائيل بيتنا") إلحاق الضفة الغربية بالأردن. بينما صاغ نفتالي بينيت (حزب "معاً") مفهوم "عقيدة الأخطبوط" القاضي بضرب إيران بدلاً من الاكتفاء بضرب أذرعها في المنطقة. وتتفادى الأحزاب الخمسة الحديث عن دولة فلسطينية. كذلك، طالب بينيت بضرب إيران رداً على كل ضربة تتلقاها إسرائيل من "حزب الله". وفي ما يخص غزة، اقترح بينيت استبعاد قطر وتركيا من ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، ودعوة مصر بدلاً منهما، بشرط احتفاظ إسرائيل بـ"حرية الحركة" فيه. ووصف حكومة نتنياهو بأنها لا تزال أسيرة افتراضات ما قبل 7 أكتوبر، كما انتقدها لعدم الرد على كل منطاد أرسلته "حماس" ضد إسرائيل، كما فعلت حكومته بين 2021 و2022، بالمداورة مع زعيم حزب "هناك مستقبل" يائير لبيد. نفتالي نفتالي بينيت وحليفه يائير لبيد يعلنان تشكيل قائمة انتخابية مشتركة بقيادة الأول