لا يمكن فصل التحذير الذي وجّهته السفارة الأميركية إلى رعاياها بضرورة عدم السفر إلى لبنان ودعوتهم إلى المغادرة بشكل فوري، عن الضغوط المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية على السلطة اللبنانية لدفعها إلى الرضوخ لإملاءاتها، بدءاً من تداعيات الفشل الذريع لمفاوضات تامبا، وصولاً إلى شحنة المتفجرات التي آثر مجلس الوزراء عدم إحالة ملفها إلى المجلس العدلي. وبدا واضحاً من مضمون البيان التحذيري أن واشنطن أرادت توجيه رسالة مباشرة إلى السلطة اللبنانية، حين ربطت التحذير بمخاطر “عمليات الخطف والإرهاب والجريمة والنزاع المسلح، وعدم ضمان الحكومة اللبنانية أمن المواطنين الأميركيين”. وهي إشارة يبدو انها تحمل في طياتها انزعاجاً أميركياً من نتائج مفاوضات تامبا، بعدما رفض الوفد العسكري اللبناني المطالب الأميركية والإسرائيلية على حد سواء، ولا سيما ما يتعلق بتشكيل لجان عسكرية مشتركة بين الجيش اللبناني وجيش العدو الإسرائيلي، كبديل عن قوات اليونيفيل التي تنتهي مهامها في نهاية العام. ويأتي هذا الموقف في ظل رفض الحليفين الأميركي والإسرائيلي تشكيل أي قوة دولية أو أممية بديلة عن اليونيفيل، فضلاً عن عرقلة تشكيل لجنة التحقق، بما يضع المؤسسة العسكرية اللبنانية أمام الأمر الواقع، ويدفعها نحو التعاون القسري مع العدو، وفق الصيغة التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضها. ولا يقتصر الانزعاج الأميركي على نتائج مفاوضات تامبا، بل يمتد إلى ملف شحنة المتفجرات، الذي حظي باهتمام ومتابعة من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فأجرى اتصالاً برئيس الجمهورية جوزيف عون وطلب منه إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وعقب ذلك، بدأت الأوركسترا السياسية الداخلية تتقدمها القوات اللبنانية برفع سقف مواقفها، في محاولة للضغط على السلطة اللبنانية ودفعها إلى تحقيق الرغبة الأميركية التي تختصر التمنيات الإسرائيلية بإثارة الفتنة في لبنان، وجرّ الجيش إلى مواجهة المقاومة، بما يريح العدو ويحوّله شريكاً في المعادلتين السياسية والعسكرية في لبنان، تماماً كما حصل عام 1982. لكن، يبدو حتى الآن أن ثمة توافقاً لبنانياً على مواجهة هذه الفتنة ومنع انزلاق البلاد إليها، إدراكاً لما يمكن أن تحمله من تداعيات كارثية على البلاد والعباد. وفي موازاة ذلك، فإن عدم تضمين البيان التحذيري الأميركي أي إشارة إلى احتمال تصعيد إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، لا يعني أن هذا الخيار غير مطروح. فالاستطلاعات التي تتوالى قبل الانتخابات الإسرائيلية تشير إلى تراجع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مقابل المعارضة، وهو ما قد يدفعه إلى شن حرب على إيران، بعدما بدأ الحديث يتصاعد عن احتمال حصولها، وراحت وسائل الإعلام تتناول إمكانية اندلاعها قبل الانتخابات. وفي هذه الحال، لن يكون لبنان بمنأى عن تداعيات الحرب، سواء تدخل حزب الله فيها أم لم يتدخل، انطلاقاً من رغبة إسرائيل في فرض وقائع ومعطيات جديدة على الأرض تصب في مصلحتها وتتيح لها توسيع احتلالها. من هنا، يبدو أن البيان التحذيري الأميركي يسعى إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: أولاً، إبعاد الرعايا الأميركيين عن لبنان تحسباً لاحتمال تجديد إسرائيل الحرب، سواء قبل الانتخابات أو بعد إغلاق صناديق الاقتراع؛ وثانياً، توجيه رسالة انزعاج واضحة إلى السلطة اللبنانية ورفع منسوب الضغوط عليها لدفعها إلى مزيد من التنازلات؛ وثالثاً، تجنّب توجيه أي تحذير مباشر إلى إسرائيل، بما قد يمنح نتنياهو هامشاً واسعاً للتحرك خلال الساعات المقبلة، وفق ما تقتضيه مصلحته السياسية. وهي مصلحة لم يعد ممكناً فصلها عن مصالح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وضع، في الفترة الأخيرة، مستقبله السياسي في سلة نتنياهو، في رهان قد تتجاوز تداعياته حدود الانتخابات الإسرائيلية لتطال المنطقة بأسرها، وفي مقدمتها لبنان.